أواب

الشاعر د.أحمد بلحاج آية وارهام لَوْ أَتَاكَ لِسَانُ اُلْكُشُوفِ لَأَنْكَرْتَ مَا قَدْ عَلِمْتَ فلَا تَسْأَلِ اُلْكَوْنَ عَـنِّي وسَائِلْـهُ عَنْ نَفْسِهِ

قيم إصلاح الناشئة في شعر علال الفاسي: الفصل الرابع

قيم الإصلاح فيه

 

1- مَـحاَورُ قيم الإصلاح

 يتضمَّن شعر علال الفاسي الموجَّه للناشئة في دواوينه: "أناشيد وطنية"و"رياض الأطفال" و"أساطير مغربية و مُعَرَّبة" وفي ديوانه الكبير مَحَاوِرَ تَصُبُّ كلها في بحر قِيَمِ الإصلاحِ؛ نَذْكُرُ منها : القيم الدينية كوحدانية الله، ومظاهر الكون الشاهدة على وجوده. ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وسماحتها ويُسرها ورحمتها بالإنسان. والقيم الوطنية كمفهوم الوطن والمواطنة، وحُبِّ الوطن والدفاع عنه والتضحية في سبيله، والعملِ على إعْلَاءِ مَجده. والقيم التربوية والتهذيبية كتحبيب القراءة والتعلم، والاهتمام بالكتاب، ونبذِ الغش والاحتيال، والحثِّ على النبل والشجاعة والشهامة والإباء، والسعيِ إلى المعالي والتحلِّي بالفطانة واللقانة، وما إلى ذلك من القيم الاجتماعية والرياضية والجمالية والإنسانية الكونية التي سنتعرَّضُ إليها بالتفصيل واحدة واحدة، مُسْتَدِلِّينَ عليها من شعره.

 

إن هذه المجموعة من القيم لم تكن لِتَبْرُزَ بهذا الوضوح في شعر علال لو لم يكن شاعرا يمتلك البراءة، ويُدْمِنُ البقاء في الطفولة. فقد كانت عنده في الذروة، ذروةِ التعبير، وذِروة الخبرة، وذروة النضج الفني، وكأنه نظر إلى حكمة الإمام الغزالي المشهورة: "حرمانُ الصغير من الترديد يُميتُ القلبَ ويُخْمِدُ الذكاءَ".

  

2- تفصيلها

 §       1.2- القيم الدينية:

يتمحور القول الشعري لدى علال الفاسي حول التفكير بالمثال، والتفكير بالمثال هو أَسْمَى غَايَاتِ النسق، وأشرفُ غايات التعبير، يقول في قصيدته "خدمة المثل الأعلى":

 

كَـوِّنْ لِـنَـفْــسِـكَ فِــي اُلْـحَـياةِ مِـــثَـالاَ

تَـبْلُــغْ بِـرُوحِــكَ رِفْــعَــةً وَ كَــمَــالاَ

وَ اُجْــعَلْهُ غَـايَتَـكَ اُلَّتِي تَـسْعَى لَـهـَــا

تَـسْـعَــدْ بِـهِ حَــالاً، وَ تَـنْـعَــمُ بَـــالاَ

وَ اُسْـتَسْـهِـلِ اُلْـعَـقَـبَـاتِ فِـي إِدْرَاكِـهِ

فَــوَرَاءَهَــا نُــورُ اُلْـهُـدَى يَــتَـــلاَلاَ (1)                

 

ومن التفكير بالمثال ينطلق إلى فتح مَجرى عميق للقيَم العليا والأساسية في الحياة والوجود، كوحدانية الله وتكريم الإنسان، وإعلاءِ شأن العقل والحرية والعدل والأخوة والمحبة والتسامح والفضيلة والنزاهة والإخلاص، يُعَبِّرُ عن كل هذا شعراً ليقينه بأن الشعر هو أرفع تعبير عن الذات في تواشُجَاتِهَا وَ تَعَالُقَاتِهَا، سواء أكانت فردية أم جماعية. اللغة فضاءاته، والتخييل آلياته، ماؤه التنوير، وبذوره الإصلاح.

 

فالإصلاح في الكون الشعري العلالي هو مركزُ المراكز، وغاية الغايات، به ترجع للإنسان المغربي فِطْرَتُهُ السليمة، وبه يتناغم مع محيطه وهُويتِه، ومع عقيدته وكونه. ولهذا لا نستغرب أن تكون الدعوة إلى الإصلاح هي القيمة المهيمنة على شعره، فقد قاوم الانحرافات والتلبيسات الداخلة على العقيدة، وألحَّ على إصلاح الذات والبوادي والحواضر ورغَّبَ  في تجاوز الإكراهات والمعوِّقات المُتَمَثِّلَة في مَقِيتِ العادات والأعراف، وحثَّ على احترام قيمة الزمن، ودعا إلى بثِّ التعليم بين الناس ذكوراً وإناثا، لطبع الإنسان المغربي ب "طابع الفكر الحر" الذي لا يقبل أي شيءٍ "بغير بحثٍ وتجربةٍ ونظَر"، ولا يتخلى عن إيمانه وعقلهِ وحريته وتراثِه المُضيء، فهذه الركائز؛ التي هي من صميم الدين ومقاصده؛ هي البداية للبعث الحديث.(2)

 

ولا بعثَ حديثا خارج إطار العقيدة، إذ هي مقصدية المقاصد عند علال، ولأجل ذلك نراه يؤكد في شعره المكرَّسِ للناشئة على وظيفة القيم الدينية والأخلاقية، حيث يشير إلى وحدانية الله وَرَبَّانيته، وإلى مظاهر الكون العديدة التي تشهد على وجوده وبقائه الأبدي، وإنْعَامِهِ الدائم على عباده ومخلوقاتهِ ممَّا يستلزم إخلاصَ العبودية له، والإقرارَ بوحدانيته وربوبيته، وعدمَ الشرك به، والاستعانةَ به في كل الأمور، فيقول في قصيدة "الله جل جلاله" على لسان طفل:

 

اُللَّهُ جَــلَّ جَـــــــلاَلُــــــهُ

رَبُّ اُلْــعِــبَـــادِ اُلْــمُــفْــرَدُ

آثَــــارُهُ لِـــــــوُجُـــــودِهِ

فِــي كُــلِّ شَــيْءٍ تَــشْــهَـدُ

عَـالِـي اُلـصِّفَـاتِ، فَمَـالَهُ

فِــيــهَـا شَــبِــيهٌ يُــوجَــــدُ

أَلْأَوْحَــدُ اُلْــبَــاقِــي، فَـمَا

يَــفْــنَـى وَ لاَ يَـــتَـــعَـــــدَّدُ

أَلْـمُــبْـدِعُ اُلـدُّنْــيَا وَ مَـنْ

فِــيــهَا، وَ مَـــنْ يَــتَـجَــدَّدُ

                      *                                    *

إِيَّـاهُ فَـاُعْــبُدْ وَ اُسْــتَعِــنْ

فِــيــمَـا تَــرُومُ وَ تَــقْــصِـدُ

لاَ تَــــدْعُ إِلاَّ اُللَّــــهَ فِــي

شَــيْءٍ، وَ أَنْــتَ مُــوَحِّــدُ (3)

 

و لا يخفى ما في البيت الثاني من تناصٍّ مع بيت الشاعر العباسي أبي العتاهية الذي يقول فيه:

وَ فِــي كُــلِّ شَـيْءٍ لَــهُ آيَــةٌ                  تَــدُلُّ عَــلَى أَنَّــهُ اُلْــوَاحـِدُ

وعن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، وعظمةِ رسالته الإنسانية، وفضلهِ على العالمين يقول على لسان طفلٍ كذلك:

 

سَــيِّـــدُنَـــا مُـــحَـــمَّـــدُ

نَــبِــيُّــنَـا اُلْـــمُـــــمَــجَّــدُ

أَرْسَــــلَـــهُ إِلَـــهُــــنَـــا

لِلــنَّــاسِ كَــيْ يُــوَحِّـــدُواْ

فَــجَــاءَنَــا مُـــبَــشِّـــراً

بِــكُــلِّ خَــيْــرٍ يُــسْـــعِـــدُ

وَ بِاُلْـــعَــذَابِ مُـــنْــذِراً

لِــكُــلِّ فَــرْدٍ يَــجْــحَــــــدُ

كُــنَّــا عَــلَـى ضَـــلاَلَـةٍ

قَــدْ زَالَ عَـــنَّـا اُلـــرَّشَــدُ

أَنْــقَــذَنَــا مِـنَ اُلْــعَــمَى

إصْـــلاَحُــهُ اُلْــمُــجَــــدِّدُ

وَ جَــاءَنَـــا بِــمِــلَّـــــةٍ

فِــيـهَا اُلــصَّلاَحُ اُلْأَوْحَـدُ (4)

 

فرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي رسالة الهداية والإصلاح والتجديد، ورسالة الصلاح الذي لا تتم إنسانية الإنسان إلا به. ومثل هذه القيم الدينية لا يُمكن أن يتشَرَّبَهَا الناشيء المغربي إلا من خلال شعرٍ مرحٍ، مُمَوْسَقٍ، سهل الألفاظ كهذا. ولم يقتـصر علالٌ عـلى غَـرْسِ القيمِ الدينية في الناشئـة عن طـريق الـشعر، وإنـما نهـض-ومنذ سنٍّ مبكرة- إلى الإصلاح الديني، حيث بَيَّنَ للكبار كثيراً من الشوائب التي عَلِقَتْ بالعقيدة من جراء الجهل والتدجيل والشعوذة، وعرَّى الطرقيين المنحرفين من لبوس الصلاح الذي يَتَخَفَّوْنَ فيه فقال:

 

وَ تَــلَـبَّسُــواْ بِــاُلــصَّـالِـحِـينَ سَــفَـاهَةً           وَ هُــمْ أَخَــسُّ مِــنَ اُلْــكِـلاَبِ وَ أَفْــظَــعُ

 

كما هجم على الفقهاء الجامدين الذين لا يؤَرِّقُهُم وضع البلاد، ولا يهمهم سوى المكاسب المادية، والبقاء في الوظيفة فقال:

 

وَ كُــنْــتُ أَرَى تَــحْتَ اُلْــعَمَائِمِ حَــاجَةً          فَــمَــــا هِـــيَ إلاَّ أَنْ يَــدُومَ اُلْــمُــرَتَّــبُ

 

§       2.2- القيم الوطنية:

 

لقد أَوْلَى علال الفاسي الوطن قسطا كبيراً من شعره، حَتَّى لتخال أنك أمام سمفونية تَتَنَافَذُ فيها القيمُ الوطنية وتتواصل تَوَاصُلَ الماءِ بالماءِ، ومن القيم الوطنية التي احتفل بها شعره قيمةُ حبِّ الوطن، فهو يتغنى بحبه لبلده، وتشبثه بأرضه، وتفانيه في خدمته، فيقول على لسان فتى، من قصيدة "وطننا المغربي":

 

مَــغْـــرِبِــي مَــغْـــرِبِــي

   حُـــبُّــــهُ مَـــذْهَـــــبِـــــي

أَنَـــا مِـــنْ فَـــضْــــلِـــهِ

   عِــــشْـــتُ فِـــي ظِـلِّـــــهِ

أَرْضُــــهُ سَــــكَــــنِــــي

   وَ بِــــهَـــا عَــــــــدَنِـــــي

هِـــيَ أَرْضُ اُلْـــجُــدُودْ

   كَـــمْ بِــهَــا مِــنْ عُــهُــودْ

سَـــأَكُــــونُ لَــــــهَـــــا

   خَـــادِمــــــًا أَهْــــــلَــــهَـا

عَـــــارِفـــاً قَـــــدْرَهَــا

   مُــعْــلِــيــًا ذِكْـــــــرَهَـــــا (5)

 

وفي قصيدته "أنشودة وطنية" يُعْلِي من قيمة الوحدة الوطنية، وقيمة التضحية في سبيل عزِّ الوطن وكرامةِ أَهله، فيقول:

 

لِلْــمَــغْرِبِ اُلْأَقْــصَـى بِــلاَدِي

    فِـــدَاؤُهَــا أَقْــصَـى مُـــرَادِي

لِــشَــعْبِــهَا مَــدَى جِــهَـادِي

    وَ عِـــزُّهَـا مُــــنَى فُــــؤَادِي

اُلْــمَـغْرِبُ اُلْأَقْــصَـى بِــلاَدِي

لِــعُـــرْبِــها وَ لِلْــــبَــرَابِـــرْ

    حُــبِّــي تَـعَـلُّـقِــي اُلْــمُـثَــابِــرْ

هُــمْ أُمَّــتِي بِــهِمْ أُفَـــاخِــرْ

    أَفْــدِيـــهِــمُ مِــنْ كُــلِّ وَاتِــــرْ

اُلْــمَـغْرِبُ اُلْأَقْــصَـى بِــلاَدِي

إِنَّــا لَنَا اُلــتُّـرَاثُ اُلْأَكْـــــرَمُ

  إِنَّــا لَــــنَا اُلْــمَقَـــــامُ اُلْأَفــخَــمُ 

هَــيَّـا بِـنَا جَــمِـيعـاً نُـقْـسِـمُ

    هَــيَّــا لاَ نَـنْـثَـنِـي لاَ نَـــنْـــدَمُ

اُلْــمَـغْرِبُ اُلْأَقْــصَـى بِــلاَدِي

حُــرِّيَّــةُ اُلْــمُــوَاطِــنِـــيــنْ

  وَ اُلْــفَــوْزُ لِلْـــمُــكَــافِـحـِيـــــنْ 

يَــمِــيــنُ حُــرٍّ لَــنْ يَــمِــينْ

    يُــوفِــي وَ لَـوْ لَاقََـى اُلْـمَــنُونْ

اُلْــمَـغْرِبُ اُلْأَقْــصَـى بِــلاَدِي(6)

 

وهي قصيدة طويلة تتكون من أربعة عشر مقطعا، كل واحدٍ منها يتغنَّى بقيمة أو مجموعة من القيم الإيجابية التي لها علاقة وطيدة بالوطن والمواطنة، والمَجْدِ والشهامةِ والنصرِ والبناء.

 

§      3.2- القيم التربوية والتعليمية:

 

أعطى علال الفاسي أهمية لقيم التعليم والتعلم والتربية والتثقيف، إذ عن طريق هذه القيم يتم إصلاح الناشئة، ويتأتَّى غرسُ المثل النبيلة فيهم، حتى يكونوا حصناً حصيناً للأمَّة من الزعازع، وساعداً بانيا لمجدها، وغرساً يانعاً في غدها، فهم مرآة صادقة لما نشأوا ونُـشِّئُوا عليه. ألم يقل الشاعر العربي القديم:

 

ويَنــْشَـأُ نَـاشِيءُ اُلْــفِــتْـيَانِ فِـيــنَا             عَلَى مَـا كَـانَ عَـوَّدَهُ أَبُـوهُ

ولن يُؤْتيَ تعليم الناشئة أُكله المرجو إلاَّ إذا تَمَّ تصور المُرادِ والغايات منه في المنظور الطويل، وهذا ما فعله علال حين تطرَّق إلى إصلاح التعليم من خلال قصيدة "أنا التلميذ" التي يحث فيها على محاربة الجهل وتعليمِ الناشئين ما يُرقيهم ويفيدهم، وقصائد أخرى تنحو منحاها في استحضار مآثر السلف الصالح للنهوض واليقظة، وإرجاعِ المجد الغابر، والشرف المغتصب، وإعلاءِ لغة القرآن باعتبارها روح الكيان، ولن يتحقق ذلك إلا على يدِ فتيةِ الوطن وشبابه؛ إذ:

 

كُلُّ صَـعْـبٍ عَـلَى اُلـشَّبَـابِ يَـهُــونُ          هَـكَذَا هِـمَّـةُ اُلــرِّجَــالِ تَــكُونُ

قـَدَمٌ فِـي اُلـثَّـرَى وَ فَـوْقَ اُلثُّـرَيَّـــا           هِــمَّةٌ قَــدْرُهَــا هَـنَاكَ مَـكِـينُ (7)

 

وتتضح الأهمية التي أَوْلَاهَا للقيم التعليمية من خلال هذه الأبيات البسيطة والرشيقة التي يُصور فيها طفلا يناجي كتبه التي أَوْقَدَتْ فيه المتعة والبهجة والسرور، والتطلعَ إلى ما وراء المجهول، فيقول:

 

يَــا كِــتَـابِـي.. يَــا كِــتَـابِـي

أَنْــتَ لِــي خَـيْـرُ اُلــصِّــحَـابِ

فِــيكَ لِــي خَــيْـرُ أَنِــيـــسٍ

بــــاُلْأَحَـــــادِيـثِ اُلْــعِـــــذَابِ

لَــسْــتَ تَــحْــبُــونِــــي إِلاَّ

قَــــــوْلَ حَـــقٍّ وَ صَــــــوَابِ (8)

 

ويستوقفنا في هذا النص أمران:

أحدهما: خِفَّتُهُ الآتية من التكرار في بدايته، حيث يقوم التنغيم بوظيفة الجذب إلى الشطر الأخير فيه، والذي هو بُؤْرَة القول ومركزه، فالحق كتاب والكتاب صواب؛ إذْ لا وصول لهذين - أعني الحق والصواب-  إلا بالكتاب، ولأجل ذلك كنَّا أمة "إقرأ" ونزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الذي هو أفضل الكتب وأشرفها.

ثانيهما: تفاعلهُ النصي مع نصوص غائبة، وتمثُّله لها بكيفية تتفق مع مدارك النشء، ولا تعلو عليها. فهو قد جمع بين قول المتنبي "وخير جليس في الأنام كتاب" وقول أحمد شوقي "أنا مَنْ بَدَّل بالكتُبِ الصِّحَابَا" بطريقة تُجَدِّدُ نصَّيْهِمَا وتكفُل لهما الحضور.

 

ومن القصائد التي تتحدث عن القيم التعليمية كذلك قصيدته "السبيلان" التي نوَّه فيها بخصال رجل التعليم وقوة شخصيته، فقال:

 وَ يُعْـجِبُـنِي اُلْأَلْـمَـعِيُّ اُلْأَدِيـــبْ

 فَـصِــيحُ اُلْـكَـلاَمِ بَـدِيعُ اُلْـبَـيَـانِ

 مُـعَـلـِّمُ إِخْــــوَانِـــــهِ عِــــلْـمَـهُ

 وَ نَـاشِــرُ آدَابِــهِ فِـي اُلْــبِــلاَدْ

      بِـمَــنْـطِقِــهِ اُلْـمُـنْــتَـقَــى

      وَ حِــكْـمَتِـهِ اُلْــمُرْتَــضَاةِ

      يُــرَغِّبُ فِــي اُلإِرْتِــــقَـــا

      وَ يَـحْـدُو بِـنَـا لِلْــحَـيَـاةِ (9)

 

وفي نفس سياق القيم التعليمية والتربوية والتثقيفية تأتي قصائده: "هارون الرشيد و زبيدة" و"الجني وولده" و"النَّمْرود والشيطان" و"المفتي وسارق البقرة" و"جْبَالَةُ يطلبون البِيسَارة" و"فرعون وهامان" و"الفأر المُدَّخر" و"حسناء وإدريس" و"قصب الشاطيء" و"اللقلاق والعصفور" و"الذئب وأم الخنانيص" و"الرجل وولده وحمارهما" و"ملك الأرانب" و"العربة والذباب" و"الثعلب والتيس" و"الحطاب والموت" و"الأسَدُ الحكيم" و"الحمائر والضبع" و"الأعمى الذي رأى فأراً" و"النبي سليمان والأبالسة".

 

إن المرء لا يُعليه، ولا يرفع من شأنه، ولا يُقدمه إلا ما يملكه ويمتاز به من خلالٍ نبيلةٍ كالذكاء والحذق والفطانة والنباهة، فهذا هارون الرشيد قد قدَّمَ ابنه المأمون على ابنه الأمين، فعاتبته زوجته زبيدة أمُّ الأمين على ذلك، فاستدعى الولدين، وأجرى عليهما اختبارا بحضورها، ثم حكَّمَها، فكانت النتيجة لصالح المأمون بسبب نباهته وفطانته وقوة ذكائه...هكذا يحكي علال القصة شِعراً، ثم يخلص إلى المغزى قائلا:

 

هــَكَـذَا اُلْــعَاقِــلُ اٌللَّـــبِــيــ

ــبُ بَــعِــيــــدُ اُلْــمَــطَــالِــــــبِ

يَــنْــظُــرُ اُلْأَمْــرَ كُـــلَّــــهُ

مِـــنْ جَــمِــيــعِ اُلــــجَــوَانِـــبِ

لَــيْــسَ يَــأْتِــي قَــضِــيَّـةً

قَــبْــلَ كَــشْــفِ اُلْــعَــــوَاقِـــبِ(10)

وعن قيمة الشجاعة وقوة الجَنان يحدثنا على لسان فتى:    

بِــطَــرِيفٍ مِـنْ خُــرَافَاتِ اُلْــجُنُـونْ

إِنَّ أُمِّــي حَــدَّثَــتـْنِــي مَــــرَّةً

أَنْ أَرَى اُلْــجُرْأَةَ فِـي كُـلِّ اُلــشُّؤُونْ

عَـلَّمَـتْنِـي وَ أَنَـا فِـي حِجْـرِهـَا

كَــانَ فِـي حِـضْـنِ أَبِــيـهِ يَــلْـعَــــبُ

حَــدَّثَــتـْنِـي أَنَّ جِـنِـيّاً صَــغِيراً

كُــلُّـهُـمْ يَــلْـهُـو بِــمَــا يُــسْــتَغْـرَبُ

وَ حَـوَالَـيْهِ صِــغَــارٌ مِــثْــلُـــهُ

 

                              *                        *

 

سَــأَلَ اُلْـجِنِّيِّ بِــحِذْقٍ يَــا أَبِـي

إنَّـــنِي مُسْـتَــطْـلِعٌ مُــســْتَــغْــرِبُ

مَـنْ مِـنَ اُلـنَّاسِ اُلَّـذِي نَـرْهَبُهُ

وَ اُلَّــذِي حِـيـنَ يَــرَانَــا يَــرْهَــبُ؟

قَــالَ: فِي اُللَّيْلِ سَنَمْضِي لِنَرَى

ثَــمَّ فِــي اُلْــحَــمَّامِ مَــا تَـشْــتـَـرِطُ

 

سهر الجني مع أولاده في الحمام، وحينما هدأ الليل البهيم سمعوا الباب يُفْتَحُ بحذر وهدوءٍ:

 

 

وَ إِذَا فَــرْدٌ ضَــعِــيفٌ فِــي اُلْــخُــطَا

كُــلَّــمَــا سَــارَ قَــلِــيـلاً بَــسْــمَـلاَ

يَــفْـتَـحُ اُلْــبَـابَ وَلَــكــِنْ يَـــرْعَــوِي

ثُــمَّ يَــمْـضِــي دَائِمــاً مُــنْــفَــتِــلاَ

يَـسْـمَـعُ  اُلْأَصْوَاتَ مِـنْ كُــلِّ اُلــرُّبَـا

وَهْوَ فِــي مِشْــيَــتِهِ كَــاُلــسُّلْحَـفَهْ

وَأَخِـيــــراً يَـــدْخُــلُ اُلْــبَــابَ وَقَـــدْ

خَــفَــقَــتْ أَذْكَــأرُهُ مُــرْتَــــجِفَـــهْ

                            *                      *

نَــظَـرَ اُلْــجِــنِّي إِلَـــى أَطْــفَـــالِـــــهِ

قَــالَ: هَـذَا وَاحِــــدٌ يَــرْهَــبُــنَــــا

فَــاُعْبَـثُـواْ مَـا شِــئْــتُمُ لاَ تَـخْـتَـشُـواْ

سَــيُــرِيـكُـمْ مِــنْهُ مَـا يُــضْـحِـكُنَـا

  

وَ لَمَّا عبثوا به ما شاء لهم العبث، ولهوا به ما حلا لهم اللهو، لم يَسَعِ المسكين الذي لم تُفده حوقلاته وبسملاته في تسكين ذُعره وفزعه إلا مغادرة المكان بلُب طائر:

 

ثُــمَّ وَلَّــــى هَــارِبــاً فِــي عُــــرْيِــهِ

وَهْــوَ لاَ يَـدْرِي وَ لاَ يَــلْـــتَــفِــتُ

وَ بَــنُواْ اُلْــجِنِّ اُسْــتَمَـاتُـواْ ضَــحِكاً

إِنَـهُـمْ مِـنْ شَـأْنِــهِ قَــــدْ بُـهِــتُـوا

 

فهل دام لهم هذا السرور، وهذا المرح؟ لنستمع إلى بقية الحكاية كما صاغها الشاعر علال:

 

وَ أَخِـيـراً جَــاءَهُــمْ مُــجْــتَرِيءٌ

ثَـابِتُ اُلْــخَطْوِ وَ عَــالِي اُلصَّـرْخَـــةِ

يَـضْـرِبُ اُلْأَبْــوَابَ فِــي دَخْــلَـتِـهِ

وَ يَــهُــزُّ اُلْأَرْضَ عِــنْدَ اُلْــمِــشْيَـــةِ

نَــظَـرَ اُلْـجِنِّــيِّ إِلَــى أَطْــفَـالِــــهِ

قَــالَ: ذَا اُلْـفَـرْدُ اُلَّــذِي نَـــرْهَـــبُـــهُ

إِحْــذَرُواْ مِــنْهُ وَ لاَ تَقْــتَـــرِبُــواْ

وَاُخْــتَفُـواْ مِــنْ مِــثْـلِـهِ وَاُنْــتَبِـهُـواْ

 

وأخيرا؛ يخلص الشاعر إلى استخلاص المغزى قائلا على لسان الفتى:

هَـكَـذَا أُمِّــيَ قَـالَـتْ لِــي فَــكُـــــنْ

رَابِــطَ اُلْــجَــأْشِ شُــجَاعــًا بَـاسِــلاَ

لاَ تَــخَفْ إِنْــســاً وَ لاَ جِــنـاًّ فَــمَا

يُــكْـبـِرُ اُلْــعَالَــمُ إِلاَّ اُلْــبَــطَــــلاَ (11)

 

وإلى جانب القيم الإيجابية كالبطولة والشجاعة والمروءة والإباء والصدق والأمانة والإخلاص والوفاء، تطرق علال الفاسي إلى القيم السلبية التي تؤدي إلى الفساد والتأخر، والإفلاس الشخصي. ففي قصيدته "النمرود والشيطان" ضرب مثلا غاية في البرهان على مصير الذين يركبُهم الغرور والتكبُّر فيتعالون على الناس كأنهم من طينة غير طينة الإنسانية، فقال:

 

 

فَـاُلَّـذِي يَــغْـتَـنِي عــنِ اُلـنَّاسِ كِـبْـراً

وَ يَـرَى قَـدْرَهُ أَجَــلَّ وَ أَعْــظَــمْ

يَـبْـتَغِــي أَنْ يَــرَى كَـنَـمْـرُودَ رَأْســـاً

مِــنْ نُـضَـارٍ،  لِأَجْـلِهِ يَـتَـحَـطَّـمْ

وَ اُلَّـذِي لاَ يَــكُونُ فِـي اُلـنَّـاسِ فَـرْداً

مِـنْـهُـمُ، يُـبْـتَـلَى فَـلاَ يَـرْحَمُونَهْ

وَ اُلَّـذِي يَـصْـحَبُ اُلـشَّـيَاطِيـنَ يَجْـنُو

نَ عَـلَـيْهِ، وَ بَـعْــدَهُ يَـلْـعَــنُـونَهْ (12)

 

وفي قصيدة "المفتي وسارق البقرة" يسرد قصة السارق الذي أرادَ التكفير عن جريمته بالتصدق بالنزْرِ القليل مما سرق احتيالاَ على الدين والضمير والشرف والعدل، فيقول موضحا المغزى:

 

ذَاكَ مِــنَ اُلْأَمْــثَـالِ فِـي اُلْأَفْــهَــامِ

يُــضْرَبُ لِلْـمُــفْــتِي وَ لِلْمُــحَــامِــي

لَــكِنَّـنِي أَلْـفَـيْـتُ فِــيِـهِ مَـغْـــــزَى

يَـفُـكُّ مِـنْ حَــالِ اُلـزَّمَـــانِ لَــــغْــزَا

ضَــرَبْـتُــهُ اُلْــيَوْمَ لِــكُلِّ أَجْــنَـبِي

مُـسْـتَعْــمِـرٍ لِلْـوَطَـنِ اُلْــمُـكْــتَــئِـبِ

يَـأْخُــذُ مِـنْ خَـيْـرَاتِهِ مَــا شَــــاءَ

وَ يَـمْـلِكُ اُلـسُّـكَّانَ وَ اُلْأَشْـــيَــــــاءَ

ثُـمَّ يَـمُـنُّ بِــاُلَّــذِي قَــدْ يَــــهَــبُ

عَــلَى بَـنِي اُلْأَرْضِ اُلَّــذِينَ سُـلِبُـواْ

وَ يَـطْـلُبُ اُلـطَّـــاعَـةَ وَ اُلْـــوَلاَءَ

وَ اُلاِعْــتِـرَافَ بِـاُلَّــذِي قَـــدْ جَــــاءَ(13)

 

        كما يكشف في قصيدة "جبالة يطلبون البسارة" عن سبب موت الإحساس بأحوال الناس المزرية لدى المسؤولين عَنْهُمْ، فيقول مصوِّرًا المفتشَ الذي اُنْتُدِبَ لِتَـفَـقُّـدِ الأحوال ، والإجراءات التي قام بها لتحقيق مطالب الفقراء الذين عضَّهم الدهرُ بِنَابِهِ :

 

قَــالَ اُلْــمُـفَــتِّشُ وَهْــوَ يَــــــأْ

لَــمُ لِلـــزَّمَــانِ وَ كَــــرْبِــــهِ

إِنْ لَــمْ تَــنَــالُـواْ اُلــزَّيْـتَ مِـنْ

أَثَــرِ اُلْــجَـفَـافِ وَ خَـــطْبِـــهِ

فَـضَـعُواْ لَدَى اُلْـبِيسَارَةِ اُلـسَّـ

مْـنَ اُلَّـــــذِي لَـمْ يُــــعْـــقَـــدِ

أَوْ فَـــاُطْعَـــمُوهَــا وَحْــدَهَـــا

مِـنْ غَـيْـرِ دُهْــنٍ مُــسْــعِــدِ

أَنَّــى يُـــحــسُّ مُـــرَفَّــــــــهٌ

مُـتَــنَــعِّـــمٌ مُــتَــــمَـــتِّـــــعُ

بِــشَــقَاءِ عَــيْـشٍ يَـــشْـتَـكِيـ

ــهِ بَــــائِــــسٌ وَ مُــجَــوَّعُ؟

حَـسْبُ اُلْـمُفَـتِّشِ أَنْ يَقُــــــو

لُـــوا ْ: إِنَّـــــهُ قَـــدْ قَــــــرَّرَا

أَكِـــتَــــابـَــةُ اُلْأَوْرَاقِ تُــغْـــ

نِــي اُلـشَّعْبَ عَنْ أَنْ يُـفْطِرَا؟ !

وَيْــحَ اُلْــــبِـلاَدِ إِذَا غَــــــدَا

حُـــكَّامُــهَا وَ كِـــبَـــارُهَــــا

فِــي رُتْــبَــةٍ عُــلْـيَا يَــقُـــو

مُ عَــلَى اُلْـمَتَـاعِ مَــــدَارُهَـا

فَـإذَا وُلِّــيـــتَ فَــلاَ تَــكُـــنْ

مُــسْتَــغْنِــياً مُـــسْـــتَكْبِــرَا

عِـشْ مِثْـلَ شَعْـبِكَ كَيْ تُـحِـ

ـــسَّ بِــحَــالِهِ وَ تُـــقَـــدِّرَا (14)

        وعن النفاق ، وادعاء غير الحقيقة، وعواقب ذلك يقول في قصيدته  "فرعون وهامان" :

 

عَــلاَ فِــرْعَــوْنُ فِــي مِــصْــرَا

وَ أَلْــحَـقَ أَهْــلَــهَا شَــــــرَّا

وَ قَـالَ بِـأَنَّــــهُ اُلــرَّبُّ اُلَّـــــذِي

يَــسْــتَـوْجِـــــبُ اُلــشُّكْــــرَا

وَ هَــامَــانُ يُـــطَـــــــاوِعُــــهُ

وَ كَــــانَ بِــــشَــــأْنِــهِ أَدْرَى

                          *                       *

أَتَــى هَــامَـانُ يَــــوْمــًا مَـا

يَــزُورُ مَــلِـيــكَـــهُ عَــصْـرَا

وَ ظَــلَّ بِــبَــابِــهِ زَمَــــنـــًا

وَ لَــمْ يَـسْــطِــعْ لَــهُ خُــبْـرَا

وَ لَأْيـاً مَـا، بَــدَا فِـــرْعَــــوْ

نُ فِــي ثَــغْـرٍ قَــدِ اُفْـــتَــــرَّا

وَقَالَ:اُسْمَحْ لِي وَزِيرِي إِنْ

أَكُـنْ أَبْــطَـأْتُ مُــضْـــطَـــرَّا

تَــرَى عُــنْقُــودَ أَعْــنَــابِي

لَــقَدْ أَوْلَــيْـــتُــــهُ سِــــحْـرَا

لَــقَــدْ أَنْـشَــأْتُـــهُ لَـــــكُـــمْ

لِــكَـيْ تَسْـتَكْـمِلُواْ اُلــشُّـكْرَا

                              *                    *

حَــنَى هَــامَانُ مُــبْـتَسِـمـاً

وَ صَــوَّبَ يُــمْعِنُ اُلْــفِــكْرَا

وَ قَـالَ: فَــدَيْتُ مَـــوْلاَنَــا

وَ دُمْــتَ اُلْــخَالِقَ اُلْـــبَـــرَّا

 

ثم دنا من عنقود العنب، وأخذ منه حبة صغيرة وخاطب فرعون :

 

فَـــرُدَّ اُلْـحَبَّـةَ اُلـــصُّـغْرَى

لِــمَوْطِــنِـهَا فَــــذَا أَحْـــرَى

أَنَــا هَـامَـانُ عَــمُّــكَ، قَـدْ

عَــرَفْـتُ اُلْـجَـهْـرَ وَاُلـسِّـتْرَا

 

ولا يترك الشاعر الحكاية عند هذا ، وإنما يستخلص منها المغزى التالي الذي هو الغاية والمرام من سياقها :

 

وَ كُـلُّ مُـمَـثِّــــــلٍ دَوْرًا

يَـعُــودُ بِـنَفْـسِهِ دَوْرَا

وَ كُـلُّ مُـنَـافِـقٍ يَـنْـسَى

سَـرِيـرَتَـهُ فَــيَـغْتَـــرَّا

 

ولم ينس علال تنبيه الناشئة إلى عدم الاغترار بالغنى والثروة، فإن ذلك عرضٌ زائل. أما الغنى الحقيقي فهو في عزة النفس، وقوة العقل وحميد الشمائل، فقال من قصيدة "الفأر المدخر" بعد حكاية للفأر مع المؤذن :

كَـذَلكَ بَـعْضُ اُلنَّاسِ يَـغْتَرُّ بِاُلْغِنَـى

فَيَطْغَى بِمَا قَدْ نَالَ فِي اُلنَّاسِ وَ اُدَّخَرْ

وَ مَنْ كَانَ بِاُلْمَالِ اُلْكَثِيرِ اُعْتِـزَازُهُ

يَــذِلُّ إذَا مَـا ضَــاعَ مــِنْهُ فَـــيُحْتَــقَرْ

فَـكُنْ رَجُلاً مِـنْ نَـفْسِـهِ سِـرُّ عِـزِّهِ

وَ قُـوَّتُـهُ مِـنْ عَـقْـلِهِ تَـبْـلُـغِ اُلْــوَطَرْ

وَ لاَ تَـحْتَقِرْ شَـأْنَ اُلْــمَتَاعِ فَـإنَّــهُ

أَدَاةٌ..وَ لَكِنْ كَاُلْـــحَدِيــدِ وَ كَـاُلْـحَـجَرْ (16)

 

وفعلاً هو كهذين العنصرين إن أحسنَّا استعماله في البناء والتطور وإسعاد الآخرين، أما إذا استعملناه في غير ذلك فإنه سيمسخ أرواحنا ويُشَوِّهُ حياتنا ، ولذلك قال علال في قصيدته القصصية الطويلة "حسناء وإدريس"

 

إِنَّ فِـي اُلـنَّاسِ مَـنْ إِذَا اُفْـتَقَـرُواْ كَـا

نُـواْ رِجَـالاً مُـوَفَّـــقِـيــــنَ كِــرَامَــا

وَ إِذَا أَدْرَكُــواْ اُلثـَّرَاءَ أَوِ اُلـسُّـــلْــــ

طَــةَ جَـاءُواْ مَــا يَـسْتَـحِـقُّ اُلْـمَلاَمَا

                          *                   *

لَـيْـتَ شِـعْرِي أَيَـمْسَـخُ اُلْمَالُ أَقْــوَا

ماً، وَ يُودِي بِـمَا لَهُمْ مِنْ عَـوَاطِف ْ !

لَـيْتَ شِـعْرِي مَا قِيمَةُ اُلْعِلْمِ وَاُلتَّهْـ

ــذِيـبِ فِي نَفْـسِنَا أَمَامَ اُلْعَـوَاصـــفْ!(17)

 

بعقلية الناقد الحصيف، والحكيم العارف تتبع علال كثيرا من القيم السلبية في الحياة، وبَصَّرَ الناشئة بها، ليتجنَّبوها، ويعملوا على إقصائها من حياتهم؛ ويصعب تعدادها هنا، ولكن سنشير إلى بعضها بإيجاز. كالطمع في مال الغير؛ الذي قال عنه في قصيدة "اللقلاق والعصفور" -والتي انطلق فيها من المثل المغربي (اترُك الحَبَّ تَنْحَب)- :

 

إِنْ تُـرِيدُواْ اُلْفَـوْزَ فِي اُلنَّاسِ دَعُـواْ

طَـمَـعاً فِيمَا لَـدَيْـهِمْ مِـنْ فُـضُــولْ

أُتْـرُكُـواْ اُلْـحَبَّ تُــحَبُّـواْ، وَ اُنْفَعُــواْ

غَـيْرَكُمْ تَحْـظَوْاْ لَدَيْهِمْ بِاُلْـقَبُـــولْ (18)

 

وكالغدر والاحتيال وتعميم النقص الموجود في الذات على الآخرين، كما فعل الذئب مع أم الخنانيص التي غرها ما أظهره من نُسْكٍ وعِلْمٍ ، فسلمت إليه أولادها  ليُعَلِّمَهُم، فأكلهم. ثم احتار كيف يتخلص من جريمته -وكان أبْتَرَ- ويخفي نفسه عنها، فعمد إلى قطع أذناب كل الذئاب حتى لا تتعرف عليه، وبذلك يستر فعلته الشنعاء، وينجو من العقاب، وما أكثر من يفعل ذلك بين بني البشر، ولذلك قال الشاعر علال في آخر الحكاية :

 

إنَّ مَـنْ كَـــانَ نَاقِـصـاً يَـبْتَغِي أَنْ

يَـشْمَلَ اُلنَّقْـصُ مَنْ عَدَاهُ لِيَسْلَـمْ

وَ اُحْذَرِ اُلْغَادِرَ اُلَّـذِي يَكْـتَسِي مَا

لَـيْـسَ مِـنْ ثَـوْبِهِ لِـكَيْ مَـا يُـكَرَّمْ (19) 

وكاختلاف الأمة وعصيانها لأمر حكامها فإنه يؤدي بها إلى تسلط الأجانب عليها كما وقع للأرانب:

وَ كُـلُّ رَعِـيَّةٍ تَـطْـــغَى وَ تَـأْبَـى

تَـمَـسُّكَـهَا بِـسَادَتِـهَا اُلْأَطَـايِبْ

وَ تُـمْعِنُ فِي اُلْخِلاَفِ بِغَـيْرِ حَقٍّ

سَـتُبْلَـى كَـاُلْأَرَانِبِ بِـاُلْأَجَانِـبْ (20)

 

وكالتفكر في عواقب أي عمل قبل الإقدام عليه، حتى لا يقع للمرء ما وقع للتيس البليد مع الثعلب الماكر، فقد نزلا بئرًا ليشربا، وبعد ذلك احتال الثعلب عليه حتى رفعه إلى أعلى البئر طمعًا في أن يجذبه إذا خرج من لحيته ليَخْرُجَ هو أيضا... ولكن هيهات هيهات، إن احتيال الماكرين لا ينفع معه الندم، بل التفكر والتدبر قبل الشروع معهم في أي أمر.

 

فَـغَـــادَرَ ثَـعْــلَــبُــنَا خِـلَّــهُ

وَ وَاخِـذْهُ أَنْـــتَ بِــمَا فَـــعَـلاَ

وَ قَــالَ لَـهُ كَـــيْ يُـلَـقِّــنَـــهُ

سَـبِـيلاً إِلَـى اُلـصَّبْـرِ مُـحْتَمَلاَ

فَـلَوْ كَانَ عَـقْـلٌ بِقَـدْرِ اُللِّحَى

لَـفَـكَّرْتَ مِـنْ قَـبْلِ أَنْ تَــنْــزِلاَ

 

 

وكالإيمان بأن الكمال والقوة والسلطة والوصول إلى أعلى القمم لابد أن تكون له نهاية مهما طال، والعبرة في قصة "النبي سليمان والأبالسة" فقد سخر الله لنبيه الإنسان والجن، وأعطاه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده ، مَكَّنَهُ من ضبط عتاة الجان حتى اعتقدوا أنه لا نهاية لحكمه وسلطانه، غير أن أمر الله أتاه فانتهى ما كان له من أبَّهَةٍ وعظمة، ولذلك فإن أخذ العبرة من حكايته لازمٌ، إذ :

 

كُـلُّ مَـــنْ يَـبْلُغُ اُلْـكَـمَـالَ سَيَـغْدُو

لِـزَوَالٍ فَــلاَ تُـــبَالِغْ وَ حَـاذِرْ

لاَ تُـمَارِسْ كُـلُّ اُلَّـذِي لَكَ مِنْ أَمْـ

ـرٍ، وَمِنْ طَـاقَةٍ فَـلِلْأَمْـرِ آخِـرْ (22)

 

وليس يغيب عن  الذهن ما في البيت الأول من تناصٍّ مع قول أبي البقاء الرندي في مرثيته الشهرية للأندلس :

 

لِــكُـلِّ شَيْءٍ إِذَا ما تَـمَّ نُـقْـصَـانُ

فَـلاَ يُـغَـرَّ بِـطِيـبِ اُلْعَيْـشِ إِنْـسَانُ

 

وقول شاعر آخر في نفس الموضوع :

إِذَا تَـمَّ شَيْءٌ بَــــدَا نَـقْــصُـهُ

تَـرَقَّــــبْ زَوَالاً إِذَا قِــــيـلَ تَـــــمّْ

§      2. 4- القيم الإجتماعية:

 

حمل علال الفاسي هم المسألة الاجتماعية منذ يفاعـته، فقد تطرق إلى قضية المرأة وتعليم الفتاة، وقضية الفروق الاجتماعية، والتردي الذي تعاني منه البادية المغربية، وكشف عن جراحات الفلاح فيها، وتكاد قصائده في هذا المجال تُكون ديوانا خاصًّا يمكن أن نطلق عليه "ديوان الشأن الاجتماعي". وقد أعطى لقضية المرأة حيزا كثيرا من شعره، مؤكدا على ذاتيتها الإنسانية ، وعلى حقوقها الشرعية والعائلية، وعلى دورها الأساسي في الحياة ، وما إلى ذلك مما هو داخل في شؤون الأسرة والتربية وما يتفرع عنها، مُنْطلقا في كل ذلك من انفتاح الإسلام الجوهري، ومن تطور منظومات العلوم الإنسانية والفكرية والتشريعية. ونظرة إلى قصائده "الفتاة المغربية" و"المرأة المغربية تجاه الأعراف البربرية" و"اذكروا الفلاح" و"الرقيق الأبيض" و"حسناء وإدريس" تبين عن تجذر هذا المنحى في شعره، وعن قوة انشغاله بالإصلاح.

 

وسنعطي هنا أمثلة  عن القيم الاجتماعية التي بَثَّهَا في الناشئة من خلال شعره هذا، ففي قصيدة "الفلاح وولده" التي عربها عن لافونطين LA FONTAINE يبين أن الكنز الحقيقي هو العمل ، وليس ما اعتقده الأولاد  بعد وفاة والدهم ، فيقول على لسان الفلاح حين أشرف على الموت :

قَـالَ: لاَ تَـذْهَــلُـواْ إِحْـــذَرُواْ

أَنْ تَـبِـيـعُـواْ تُــرَاثَـكُــــمْ

أَرْضُ أَسْــلاَفِـنَـــــا بِــهَــــا

خَـيْـــرُ كَــنْـزٍ يُــرَى لَكُمْ

 

ومضى الأولاد بعده في التنقيب عن الكنز بالحفر في الفدادين هنا وهناك دون جدوى، ولكنهم :

 

حَــصَّـلُـواْ بَــعْــدَ عَــامِــهِــمْ

خَــيْــرَ رِبْــحٍ مُــضَــاعَــــفِ

أَدْرَكُـــواْ اُلْــمَــالَ بِـاُلــثَّـرَى

لَـيْـسَ مِــنْ كَــنْــزِهَـا اُلْـخَفِي

فلماذا إذن لم يقل لهم الحقيقة عارية؟ ولماذا تركهم في هذا التعب والعناء يسيرون خلف وهم؟ إن الحقيقة أحيانا لا يدركها المرء إذا وضعت أمامه مجردة، ولذلك كان لابد من تقديمها في لبوس رمزي، وهذا ما فعله الفلاح، وما استخلص منه علال حكمته التالية :

 

خِــدْمَــةُ اُلْــمَرْءِ كَــنْــزُهُ

لَـيْـسَ كَــنْـزٌ بِــلاَ عَــمَــلْ (23)

 

وحتى يرفع النظرة التحقيرية التي ينظر بها بعض الناس إلى الفلاح ، ويضعه في المكانة اللائقة كمواطن شريف لا حياة للوطن بدونه، كتب قصيدته "اذكروا الفلاح" مصورا فيها أمجاده وتضحياته، مذكرا بالأبطال الذين قادوا المعارك الكبرى في تاريخ المغرب بجنودهم الفلاحين كطارق بن زياد، ويوسف بن تاشفين، والمهدي بن تومرت، ومُوحى أوحَمُّو، وعبد الكريم الخطابي، وغيرهم من الأشاوس الذين حققوا الانتصارات الغراء بفضل جنودهم الفلاحين، يقول علال :

 

 

مَــنْ هُــوَ اُلْــفَارِسُ بَــادِي اُلــشَّــمَـــمِ

 

 

حَـــارِسُ اُلْــمَجْــدِ وَ حَـــامِــي اُلْــعَـلَمِ

 

 

إِنَّـــهُ اُلْــفَـــلاَّحْ !

 

مَــنْ هُــوَ اُلْــوَارِثُ مَــجْــدَ اُلْــوَطَـــنِ

مَــنْ هُــوَ اُلْأَوْلَـــى بِــهِ وَ اُلْأَجْــدَرُ

مَــنْ هُــوَ اُلـدَّافِــعُ كُــلَّ اُلْــمِـــحَــــنِ

عَــنْ حِــمَـاهُ وَ بِــــــهِ يُـــفْـــتَـــخَــرُ

*                  *

مَــنْ هُــوَ اُلْــخَادِمُ فِــي كُـلِّ تَـــفَـانِ

لِــيُــنِــيــلَ اُلــشَّعْــبَ عَــيْــشاً رَغَــدَا

لَـيْــسَ يَـــــدْرِي دَائِــماً أَيَّ تَــــوَانٍ

إِنْ تَــوَانَى غَــــيْـــــرُهُ أَوْ قَـــعَــــــدَا

 

إِنَّ مَـــــنْ هَــــامَ بِــأَرْضِ اُلْــوَطَـــنِ

 

 

هُــــوَ أَوْلَــى بِــرِضَــاهُ اُلْــمُـــثْــمَـنِ

 

 

إِنَّـــهُ اُلْــفَـــلاَّحْ !

 

مَــنْ هُــوَ اُلـصَّانِعُ لِلْمـَجْدِ اُلْقَــــدِيـمِ

مَـنْ هُـوَ اُلْــكَاتِبُ صُحْفاً مِنْ ذَهَبْ

مَــنْ هُــوَ اُلــرَّافِعُ لِلـصَّـرْحِ اُلْـعَظِيمْ

دُونَ أَنْ يَــرْغَـبَ فِـي أَدْنَـى اُلــرُّتَبْ (24)

 

والقصيدة قراءة جديدةٌ في تاريخ المغرب القديم والحديث، وفي قلبه النابض الفلاح، تكشف عن إبداعاته وجراحاته، وعن أَنَفَتِهِ وسماحته، وترسم له صورةً غير الصورة الدونية التي يتداولها عنه الكثيرون، ولا أعتقد أن الناشيء الذي سيتشرَّب هذا النصَّ راهناً أو مستقبلا ستمَّحي من مخيِّلته هذه اللوحة التي رسمها علال رحمه الله للفلاح، فهي لوحة شاعر رأى بنور الإبداع ما لم يره الآخرون.

 

 ولم يقتصر اهتمامه على الفلاح والمرأة فقط، بل اهتم أيضاً بالعامل؛ إذ لا تنمية ولا تقدم إلا إذا اكتمل جناحاهما اللذان هما الفلاحة، والصناعة. وقبل هذين تكريمُ الإنسان الحامل لأعبائهما؛ ولذلك قال في قصيدته "نشيد العمال":

 

نَــحْــنُ فِـي اُلْـمَـعْـمَلِ خُـدَّامُ اُلْــبِــلاَدْ

نَــحْنُ فِـي اُلْــمَصْـنَـعِ جُــنْدُ اُلْأُمَّةِ

نَــحْــنُ لِلْــفَـلاَّحِ عَــوْنٌ مُــسْـتَــفَــادْ

وَ لَـدَى اُلْــمَـنْجَــمِ رَمْــزُ اُلـثَّــرْوَةِ

 

    حَــيَّ هَــيَّا نُـعْـلِ شَــأْنَ اُلْــمَغْـــرِبِ

 

نَــحْــــنُ لِــــلْأُمَّــةِ لاَ لِلـــطَّبَـــقَـــــهْ

كُــلُّــنَــا لِلْـــكُــلِّ وَ اُلْــكُــلُّ لَــــنَــا

نَحْـنُ أَنْصَارُ اُلْـمَبَادِي اُلْـمُعَـتّـَقَـهْ

نَـطْـلُبُ اُلْـعَـدْلَ لِـكَــيْـمَـا نُـحْـسِـنَا

 

   حَـيَّ هَــيَّا نُـعْـلِ شَـأْنَ اُلْــمَغْــرِبِ (25)

 

 

ويتضمن النص -إلى جانب قيمة الاحتفال بهذه الفئة الاجتماعية النشيطة الناهضة بالاقتصاد الوطني– قيمة فكرية كبرى، تتجلى في كون علال الفاسي الشاعر المفكر النسقي قد قام بتخذيل فكرةٍ كانت قد أخذت بألباب كثيرٍ من الناس؛ هي فكرة ديكتاتورية الطبقة العاملة وضرورة قيادتها وسيادتها على الجميع لتتحقق العدالة، ولكن الشاعر بحكم وعيه الحاد، وعمق إيمانه، وبصيرته النافذة في التاريخ رفض هذه الفكرة وقال إن العمال هم للأمة كلها وليسوا للطبقة، نَبْضُهُم من نبضها، ونبضُهَا من نبضهم. وقول كهذا في الوقت الذي كتب فيه النص؛ وهو سنة 1364هـ/1945 م؛ لا يجرؤ عليه إلا مُفَكِّرٌ متحررٌ من الايديولوجيات الكاسحة آنذاك، وشاعرٌ في قمَّةِ الرؤية والرؤيا.

 

وفي سياق الإصلاح الاجتماعي ندَّدَ علالٌ الفاسي بالقيم السلبية التي تنخر الجسد المجتمعي، وينغمس فيها كثير من الرجال الذين يدعون العلم والصلاح والغيرة على الدِّين. فقال من قصيدته الطويلة "حسناء وإدريس" التي جاءت في قالب قصصي رائع:

 

هَــؤُلاَءِ اُلـرِّجَـالُ طُـرّاً سَـــوَاءُ

كُـلُّـهُـمْ عَـبْـدُ جِـسْـمِـهِ وَ هَــوَاهُ

أَلْفَقِـيهُ ُاللَّبِيبُ مِنْهُمْ يَرَى اُلْعِـلـْ

ــمَ سَــبِـيـلاً إِلَـى بُـلُوغِ مُـنَــــاهُ

                                     *                     *

 

هُـمْ يُحِلُّونَ مَا اُلشَّـرِيعَــةُ تَــأْبَـــا

هُ وَ لاَ يَـرْهَـبُـونَ عُـتْبَ اُلضَّمِـيرِ

كُـلُّ مَا يَمْـنَحُ اُلْمَلَذَّةَ فِي اُلْـعَيْــ

ــشِ مُـبَـاحٌ لَـهُــمْ بِــدُونِ نَـكِـيـرِ

                                           *                      *

يُنْكِرُونَ اُلْبِغَاءَ فِي خَــارِجِ اُلْبَــيْـ

ــتِ، وَ يَأْتُونَهُ لَـدَى اُلْبَيْتِ جَهْرَا

وَ كَفَاهُمْ أَنْ يَخْدَعُواْ اُلنَّاسَ بِاُسْمِ

مُـسْتَـجَـدٍّ، وَشـُــبْـهَــةٍ تَــتَـعَـرَّى

                                          *                      *

صِفَـةُ اُلدِّينِ عِنْدَهُـمْ مَحْضُ شَكْلٍ

يُـتَـحَـلَّى بِـهِ، وَرُتْــبَــةُ فَــخْــــــرِ

حَـسْـبُـهُمْ أَنْ يُقَـبِّلَ اُلنَّـاسُ أَيْـدِيـ

ـــهِــمْ مَـقَـاماً لَهُـمْ وَ رِفْـعَةَ قَـدْرِ

 

§      5.2- القيم الرياضية والفنية:

إن أفلاطون في كتابه "حدائق أكاديموس" تطرَّق إلى الرياضة والفن واعتبرهما من صميم الحياة الوازنة، ولذلك نراه لم يفصل الفن والرياضة عن الحياة الاجتماعية. فقد اعترف بوظيفة الرياضة الاجتماعية والسياسية، وقيمتها التثقيفية التربوية والجمالية، ومساهمتها في تكوين الناشئة وتقوية المجتمع برابطة تصل كلامه الرياضي والجمالي بالآخرين. (27)

 

 ولذلك نرى علالا اهتم بهذا الجانب الحيوي لإصلاح الناشئة، لِمَا له من هوى في نفوسهم، وتأثير على نفسياتهم وعقلياتهم، وخاصة كرة القدم. وهاهو يقول على لسان طفل يداعب كرته، ويُغَنِّي لها أجمل الكلمات وأرق العبارات في "نشيد الكرة"

 

يَــا كُــرَتِــي يَــا كُــرَتِــي

أَنْــتِ أَجَــلُّ لُــعْــبَــتِي

رَفِـيـقَـتِـي فِـي اُلــسَّاحَةِ

سَــاعَةَ اُلاِسْــتِــرَاحَـةِ

تُــنَـشِّــطِــنَ جِــسْــمِــي

وَ تَـفْـتَحِـيــنَ فَــهْــمِـي (28)

 

فهذا البعد الرياضي هو بُعْدٌ ديني تربوي ثمين في حياة النشء انتبه إليه علال الفاسي، وتناوله بأسلوب المربي الماهر. فالترويح عن النفس بعد عناء الدرس يُحَصِّنُهَا من الكلال، ومن اُلْعَمَى الذهني ويَشْحَذُ قدراتها، ويفْتَحُ مَدَارِكَهَا، ويمنحها توازنا نفسياًّ وجَسديا.

§      6.2- القيم الإنسانسة الكونية:

 

تُعتبر القيم الإنسانية الكونية إطارا للحياة الراهنة، تتحرك فيه البشرية لإثبات وجودها وفعاليتها، وهذه القيم هي ما يُصْطَلح عليه الآن بمنظومة حقوق الإنسان؛ إذ بدونها لا تتحقق آدميتُه، ولا تتجسد كينونته، ولا تحضر مواهبه وتَطَلُّعَاتُهُ. وهي بوصفها هذا، وبحكم حساسيتها، لا تتجزَّأ ولا تَتَبَعَّضُ، لأنها مرتبطة بالكائن الإنساني الذي لاَ تقبل ماهيتُه ذلك. وتأتي في مقدمتها: الحرية، والكرامة، والعدالة، والديموقراطية، والمساواة، وقد أولى علال الفاسي كل هذه الجوانب شعُوره وشعره.

 

فالحرية احتلت حيزا كبيرا من شعره باعتبارها أُمًّا لِلْقِيَمِ الأخرى، ويكفي هنا أن نشير إلى عناوين بعض القصائد ليتضح لنا مدى سيطرة هاجس الحرية على الشاعر، لأن بها وصلت الأمم التي تقدمت إلى ما وصلت إليه:

 

فَـاُعْـمَـلْ لَـهَا غَـيْرَ خَـوَّافٍ وَ لاَ وَجِــلٍ

فَـهْـيَ اُلـسَّـبِـيـلُ إِلَى إِدْرَاكِ مَـا وَجَـبَـا (29)

 

ومن هذه القصائد: "حوريتي"، "عذوبة الحرية"، "الحرية"، جمال الحرية"، "الهيام بالحرية"، "أنغام الحب والحرية"، إضافة إلى اشتمال كثير من قصائده على كلمة الحرية، حتى إننا لنعتبر أن الشاعر علالا "حل في الحرية أوحلت به، فصار لا يرى غيرها، ولا يريد إلا إياها، فلذلك يرفض الحياة وطيبها، وتوابع السلطة من قصور، وخدم، وحَشَمٍ، و لـذائِذَ، وأَوْسِمَةٍ، لأنها سبيل العبودية"(30) والعبودية إهدار للكينونة التي لا مدار لها خارج الحرية، وكل عيشٍ خارجها موت، ولذلك نَذَرَ الشاعر نفسه لها لكونها امتلكت أقطار وجدانه وشعوره وبصيرته:

 

إِنِّـي أَرَاكِ بِـخَـلْوَتِـي وَ بـِـــجَـلْوَتِـي

وَ بِـعَـالَمِي اُلْـمَغْـمُورٍ بِاُلْإِلْــهََـــامِ

أَلْـفَيْـتُ أُنْـسَـكِ فِـي خَـلِيَّـةِ مَحْبَـسِي

يُـضْفِـي عَــلَيَّ مَــلاَبِـسَ اُلْإِنْــعَـامِ

فِـي اُلسَّلْبِ إثْـبَاتِي، فَـيَـا سَعْدَايَ إِذْ

أَلْـفَـيْتُـنِي فِـي كَـوْنِـكِ اُلْـمُـتَـسَامِي

حُــورِيـَّـتـيِ دُومِـي إِلَـــيَّ، فَــإِنَّـنِـي

لَـكِ مُـنْـذُ كُـنْتُ، وَفِـيكِ كُلُّ هُـيَامِي (31)

 

إن علالا يصعد بقيمة الحرية إلى درجة التديُّن، بحيث تصبح هي الإسلام، والإسلام هو هي، وما دام الإسلام هو الفطرة، فإن الفطرة هي الحرية التي هي غاية كل كائن بشري، لأنها الحقيقة الإلهية التي نفخها فيه، والتي ينبغي الاستغراق فيها والاتحاد بها لتيسير فَهْمِ هذا الكون،ومعرفة أسراره، واكتناهِ اتساقه وانسجامه، وتجلية المراد من المخلوقات الموجودات فيه. ولأجل هذا كانت الحرية أصلَ كل القيم واُسَّها، ومن ثمة نرى الشاعر يسعَى إلى أن تعُمَّ نعمتُها الأمة بكاملها لتنهض من الكبوة، وتنضوَ عنها سرابيلَ الجفوة، وتشرب من كأس الاستشهاد تحقيقاً لها:

فَــمُــدِّي يَـدَيْـــكِ إِلَـــى أُمَّـتِـي

وَ هُــبِّـي عَـلَـى روُحِــهَا وَ اُغْـمُـرِي

إِلَــى أَنْ تَـهِـيـمَ بِـحُــبِّـكِ وَجْداً

وَ تَـقْـبِـسَ مِـــــنْ نُــورِكِ اُلْأَزْهَــــــرِ

فَـتَبْـدُو لَـدَيْـهَا مَعَانِي اُلْحَـيَـاةِ

وَ تَـسْـلُـكُ فِــي نَـهْــجِـهَـا اُلْأَكْــبَـــــرِ

وَ تَـعْـرِفُ أَنَّ اُلْــوُجُـودَ سِـوَا

كِ كَــاُلْـعَدَمِ اُلْـمَـحْضِ فِــي اُلـنَّــظَـــرِ

وَ تَـــبْـذُلُ فِـيـكِ مُـضَــحِّــيَــةً

لِــتَـغْـرِفَ مِـنْ فَــيْـضِــكِ اُلْأَطْـــهَــــرِ (32)

 

ولم يكن علال يدعو إلى الحرية من منطلق وطني أو قزمي فقط، وإنما كان يدعو إليها من منطلق إنساني شمولي، ففكرته في الحرية هي فكرة تَشميلية، ولهذا نراه يقول: "ليكن الإنسان متحرراً من القمع ومن الغوغائية والعنف، متمتعاً بالحرية والفكر والانسجام في العمل" (33). فهو حين يتساءل عن مضمون الحرية، يتساءل من موقع فيلسوف مُسلم، لا يُريد أن يُقنع بالحرية قلبُه عقلَه، وإنما يريد أن يقنع بها عقلُه قلبَهُ من وجهات النظر الفلسفية والتاريخية والسياسية والعَقَدية، ومن وجهات نظر عصر الأنوار والديموقراطيات الغربية والاشتراكية. وقد خرج من كل هذا بنظرية متكاملة في الحرية تقوم على الأُسُسِ التالية:

 

1.                       الإيمان بأن الحرية مرادفة للإنسانية، لأنها الغاية التي تسعى إليها عن  طريق العمل

2.                       الإرادة هي المظهر الأول للحرية.

3.                       الحرية هي منطق العقل، فالعقل الذي لا يُفَكِّر بحرية، أو يفكر من  

                  مطلق الآخر ليس بعقل.

4.                       الحرية هي منطلق الإيمان، فالإيمان الذي يصدر عن غير الحرية ليس إيمانا.

5.                       الحرية المطلقة اللامتناهية هي حرية الله جَلَّ وَعَلاََ. (34)

 

وعن قيمة العدل ونقيضها قيمة الظلم يتحدث إلى الناشئة في قصيدة "فيل
الملك" المبنية على المثل المغربي المشهور، فيقول عن ملكٍ حكم الناس بغير العدل، ولمْ يهتمَّ بأمورهم ومشاكلهم، وإنما اهتم بملذاته وشهواته:

 

وَ كَـانَ شَـغُـوفًا بِـصَيْـدِ اُلْــوُحُوشِ

يُـجَـمِّعُـهَا زُمَــراً زُمَـــــــــــراَ

وَ يُـــلْــــزِمُ أُمَّــتَـــهُ مَــــوْنَـــهَــــا

لِــتُكْـسِبَهُ اُلْـفَخْـرَ بَيْنَ اُلْـوَرَى

وَ وَزَّعَ أَفْــــــيَـالَـــــهَا مَـــــــــرَّةً

لِـكُلِّ ذَوِي مَــــدْشَـــرٍ وَاحِــــدُ

يَــصُــونُــونَـــهُ وَ يُـــــغَــــذُّونَــهُ

وَ لَــوْ جَــاعَ بَـطْـنُهُمُ اُلْـجَاحِـدُ

وَ جَـاءَ اُلْــمَـلِـيكَ ذَوُو مَــــدْشَـــرٍ

وَ قَـدْ بَــعِلُــواْ بِـاُلَـذِي حُـمِّلُـوُاْ

يُــرَجُّـونَهُ عَــفْــــوَهُ وَ اُلــرِّضَــى

وَ مَــا اُنْــتَقَـدُوهُ بَــلِ اُمْتَثَـلُـواْ

 

فماذا فعل الملك معهم؟ وهل تفهم شكواهم؟ وصرف عنهم هذا العناء اللامجدي والمُفقر؟ لقد كانت إجابته لهم بما لم يكن يخطر على بالهم:

 

فَـقَـالَ اُلْـمَلــيكُ عَـرَفْـتُــكُـــــمُ

وَ إِنِّـيَ أَدْرَى بِـمَـا تُضْـمِـرُونْ

فَـعَـادَتُكُـمْ أَنْ تُـرَبُّـواْ اُلْـقَـطِيعَ

وَ مِنْ رَيْـعِـهِ دَائِمـاً تَكْـسِـبُـونْ

وَ فِـيلِيَ لَـيْـسَـتْ لَــهُ فِـيـلَـــةٌ

تُــزَوِّدُكُــــمْ بِـاُلَّــــذِي تَــــــلِــدُ

سَـأُعْــطِـيكُمُ فِـيـلَـــةً مِـثْــلَـهُ

يَــتِـمُّ بِـهَــا لَــكُــمُ اُلْــمَــقْــصَدُ

بِــتِلْكَ اُلْــوَسِــيـلَةِ يَـغْدُو لَنَـا

عَــدِيدٌ مِــنَ اُلـنَّسْـلِ نَـقْـتَسِمُهْ

فَـرَبُّواْ اُلْجَمِـيعَ وَ لاَ تَيْأَسُـواْ

فَـلَـيْـسَ يُــعَـوِّضُـكُـمْ مُــغْـرَمُهْ

إنها لمفارقة مبكية مضحكة هذه الطريقة التي فضَّ بها الملك الشكوى، وقد استخلص منها علال هذا المغزى الذي يقدمه للفتيان:

 

وَ مَـاذَا تُـعَـــوِّضُـهُ فِــيــلٌ

تُــقَــوِّتُــهَا عَــشَــرَاتُ اُلأْلُــــوفْ؟!

وَ لَكِنَّ ذَلكَ حُـكْمُ اُلْـقَــوِيِّ

إِذَا مَـا تَـرَجَّـاهُ شَــعْبٌ ضَــعِــيــفْ

تَضَاعُفُ آلاَمِ مَنْ يَـشْتَكِي

بِـذَاكَ قَــضَـى مَـنْـطِــقُ اُلــظَّـــالِـمِ

وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَادِلاً طَبْعُهُ

فَـلــَيْـسَ بِــمُـــشْــــكٍ وَ لاَ رَاحِــمِ (35)

 

فالظلم تحت جناح كل أحدٍ، القوة تبديه، والضعف يُخفيه إلا من رحمه الله وطهَّر طبعه منه، وقليلٌ ما هُمْ. وقد صدقَ ابن خلدون حين قال إن العدل أساس العمران والملك، والظلمَ علة زوالهما، ولذلك أمر الله عباده بالتحلي بالأول لأنه من صفاته الحسنى، وبتجنُّب الثاني لأنه مَهْوَاةٌ وخرابٌ للحياة. ولأجل تبصير الناشئة بكل هذا نسج علالٌ الفاسي هذه الحكاية؛ التي كان عمودها الفقري المثَلُ المغربي: "مَا قَدْهُمْ فِيلْ زَادْهُمْ فِيلَة".

 

3- غايات هذه القيم ووظائفها:

 

إن وظيفة هذه القيم وغاياتها عند علال الفاسي هو بناء ناشئة صالحة معافاة بدنيا ونفسيا وفكريا، قادرة على الإبداع والابتكار، وعلى مجابهة كل التحديات التي قد تعترضها بعقلانية ومسؤولية، ونزاهة وصدق، وجرأة واستعداد.

 

فالناشيء مثَلا حين تُحَبَّبُ إليه القراءة، ويُعود عليها، يُصبح ولا شك في قلب شروط الإبداع، وفي ظروفه الموضوعية، فهو كما نعرف ميال إلى الاكتشاف والمغامرة والاندفاع، وإلى تفكيك المُركب وتحليله ومعرفةِ خباياه وأسراره، وإلى الابتكار والتماهي مع الخيالات والحكايات والخرافات والأساطير والأعاجيب مِخْيَالُهُ دائماً متربصٌ ومفتوح.

 

والشعر بناءٌ لغوي موسيقي تخييلي قَمِينٌ بدفعه إلى ابتداع بناءٍ مثله، إذ كل ناشيء شاعر بطبعه حسب جاك فكِسْنِيلْ  J. Viauesnel في كتابه "الشعر في قلب الطفل"...ولكن شريطة أن نضعهُ في شروط صحية إبداعية تكفُلُ له تفجيرَ طاقاته، وتدفعُه إلى إبداع الأشكال والأجناس الأدبية والفنية، وإلى التفكير السليم، وتضعُ تجاربَه وبداياته في طريق النضج والاستواء. (36)


إحالات الفصل الرابع
 
1.                        علال الفاسي :"ديوان علال الفاسي"، جـ1، ط2، دار البوكيلي
للطباعة والنشر والتوزيع، ص: 232.

             2-                          علال الفاسي : "النقد الذاتي" ط 1999 م، ص: 81.

3-                          علال الفاسي :  "رياض الأطفال" مطبعة الرسالة، الرباط 1982 م، ص ص:9.8.

4-                          المرجع السابق، ص ص:11.10.

5-                          نفسه، ص ص:15.14.

6-                          علال الفاسي: "ديوان علال الفاسي" جـ3، ط1، منشورات مؤسسة علال الفاسي، مطبعة الرسالة، الرباط 1988 م، ص ص: 116.115.

7-                          المرجع السابق، جـ2، دار البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع، ص: 45.42.

8-                          علال الفاسي :"أناشيد وطنية" ط1، مطبعة الرسالة، الرباط، ص: 13

9-                          علال الفاسي : "ديوان علال الفاسي"، جـ3، ط1، منشورات مؤسسة علال الفاسي، مطبعة الرسالة،الرباط 1988 م، ص: 37.

10-                    علال الفاسي : "أساطير مغربية ومُعَرَّبة"، ط1، مطبعة الرسالة، الرباط 1985 م، ص ص: 35.32، وانظر: ديوان علال الفاسي، جـ3 ص ص: 97.95.

11-                    المرجع السابق، ص: 39.36، وكذلك الديوان، جـ 3 ، ص ص: 101.38.

12-                    نفسهما، ص: 43.40. وص: 1.3.101.

13-                    نفسهما، ص: 45.44. وص: 105.104.

14-                    نفسهما، ص: 47.46  وص: 107.106

15-                    نفسهما، ص: 49.48  وص:109.108

16-                    نفسهما، ص: 51.50  وص: 110.

17-                    ديوان علال الفاسي، جـ 3، ص :147.

18-                    "أساطير مغربية ومُعَرَّبة"، ص: 8.

19-                    المرجع السابق، ص: 10.  

20-                    نفسه، ص: 16.14.

21-                    نفسه، ص: 25.23.

22-                    نفسه، ص: 69.68.

23-                    نفسه، ص: 22.20.

24-                    ديوان علال الفاسي، جـ 3، ص: 16.13

25-                    المرجع السابق، جـ 3، ص: 118

26-                    نفسه، ص: 153.

27-                    محمد مفيد الشوباشي: "الأدب والفن في ضوء الواقعية" ترجمةٌ عن "جون فريفيل" منشورات دار الفكر العربي، ودار الثقافة العربية للطباعة، عابدين، القاهرة، د.ت، ص ص: 5.4.

28-                    علال الفاسي: "أناشيد وطنية" مطبعة الرسالة، الرباط، 15.

29-                    علال الفاسي: "ديوان علال الفاسي" جـ 1، ط2، دار البوكيلي، ص: 83.

30-                    محمد مفتاح: "مشكاة المفاهيم: النقد المعرفي والمثاقفة" ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 2000 م، ص ص: 161.160

31-                    ديوان علال الفاسي، جـ 3، مطبعة الرسالة، الرباط 1988 م، ص: 72.

32-                    المرجع السابق، ص ص: 82.81.

33-                    علال الفاسي: "بديل البديل"، مطبوعات الجمعية المغربية للتضامن الإسلامي، منشورات دار الكتاب بالدار البيضاء 1973 م، ص ص: 38.37.

34-                    عبد الكريم غلاب: "الماهدون الخالدون"، ط1، (كتاب العلم) السلسلة الجديدة مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1411هـ/1991 م، ص:34.33.

35-                    علال الفاسي: "أساطير مغربية ومُعربة"، ص ص: 53.52. وديوان علال الفاسي، جـ 3، مطبعة الرسالة، ص ص: 112.111.

36-  J.VIQUESNEL « La poésie est le cœur de l’enfant » Editions charles corlet.  1986,P15.

 

 

 



Add a Comment