أواب

الشاعر د.أحمد بلحاج آية وارهام لَوْ أَتَاكَ لِسَانُ اُلْكُشُوفِ لَأَنْكَرْتَ مَا قَدْ عَلِمْتَ فلَا تَسْأَلِ اُلْكَوْنَ عَـنِّي وسَائِلْـهُ عَنْ نَفْسِهِ

حضور النص القرآني في الشعر: أهو تناص أم اقتباس؟

حضور النص القرآني في الشعر

أهو تناص أم اقتباس؟

 

في الملتقى الدولي الثالث للأدب الإسلامي المنعقد بأكادير أيام: 21-23 شوال 1421هـ / 16-18- يناير 2001 حول "النقد التطبيقي بين النقد والمنهج" أثارت انتباهي مداخلة الأستاذة خديجة الفيلالي الموسومة بـ "حضور القرآن في شعر أحمد مطر" من عدة جهات؛ فهي:

أولا: ركزت على امتلاء شعر أحمد مطر بالنص القرآني .

ثانيا: استكناهها لآليات حضور النص القرآني في شعر الشاعر.

ثالثا: اعتمادها على آليات التناص لكشف جماليات النص الشعري المطري.

رابعا: دلالة الصورة المعتمدة على آليات التناص.

فالمداخلة إذن عميقة ومحبوكة، مثيرة للأسئلة ومفجرة للمسكوت عنه في تراثنا النقدي والبلاغي. فنحن حينما نستحضر القرآن الكريم في وجداناتنا و إبداعاتنا ينبغي أن نستحضره بخصائصه وخصوصياته، وليس بخصائص وخصوصيات غيره من النصوص، لأنه نص فوق الأجناس النصوصية، وفوق مقاربتها. ومن هنا يحق لنا أن نتساءل هل حضور النص القرآني في النص الشعري تناص أم اقتباس؟ !

ذلك هو السؤال الجوهري الذي أوقدته فينا مداخلة الأستاذة الفيلالي، ودفعتنا إلى عتبته وتناول بعضِ استشكالاته في النقاط التالية:

1. ليلُ النص وضوء المنهج

2. ميزات النص القرآني وخصائصه

3. ميزات النص الشعري وخصائصه

4. التناص وإشكالياته

5. تأثيل الاقتباس ومجالاته

6. رفع التعارض بين اللسان والطوية.

 

1-           ليلُ النص وضوء المنهج:

أكيد أنه عندما ندْرُسُ نصًّا من النصوص على ضوء منهج من المناهج نكون قد قرَّرنا مسبقا أن هذا النص تحجبه عنا سُدف، ويكتنفه ليل دامس، ومن ثمة فهو يحتاج إلى ضوء يكشف سراديبه ويبرز خباياه. وهذا الضوء هو ضوء المنهج، والمنهج كلمة شاملة لشتى المعاني اللغوية والثقافية والفكرية، تُسعفنا كلها على اقتحام ليل النص وفكِّ شفراته، والتغلغل فيما وراء غموضه الساطع أو وضوحه المفتعل الذي يخفي أمورا لا يود الإفصاح عنها لأسباب كامنة في بِنْيَتِه العميقة أو في نفسية منشئه. (1)

1.  1 جناحا التحليل:

ولذلك يأتي المنهج بضوئه لتحليله وتفسيره، والتفسير له جناحان: لساني وتاريخي لا ينهض إلا بهما، فالأول منهما يقوم على الخطأ والصواب وعلى التحليل الأسلوبي، والثاني يقوم على التحليل التاريخي الذي يعتبر أنَّ نظريةً جماليةً مَا إما أنها كانت موجودة أو غير موجودة في زمنها، و أن نصًّا ما إمَّا أنه إيديولوجي موجود أو غير موجود في زمنه، ولا يوجد هناك حل ثالثٌ. والنص لا يأخذ معناه إلا داخل سياق خاص، ومن المؤكد أن معرفة جيدة لهذا السياق تبقى ضرورية لفهم النص.

وبما أن الجناحين يعملان بطريقة لا تقبل الاعتباط فإننا نحس بتحكم في الطيران أثناء قراءتنا لنصٍّ مَا، والتحليق في أجوائه، (2) ودراسة صوره عن طريف رفع الحواجز الموضوعة بين الأجناس الأدبية وافتراض وحدة الثقافة العربية. فالصور مهما تعددت داخل نصٍّ فإنها تعود في النهاية إلى التعارض بين الظاهر والباطن، بين الحقيقة والوهم، بين اللباب والقشور، وبين اللاحق والسابق. (3)

ولكي يُعتبر التحليل مُرضيا، فإن عليه أن يكون قادرا على تفسير القيمة الجمالية للنص، أي أن يكون له من القدرة ما يفسر به عِلة الحكم عليه بالجمال دون غيره من النصوص. وإذا لم يتوصل إلى تقديم ذلك، فإن الاعتقاد سيذهب لا محالة إلى أنه قد برهن عن فشله. (4)

1. 2.  الفهم التقاء بين خطابين:

وعليه؛ فإننا حينما نقرأ نصًّا إبداعيا فإننا نُعيد كتابته من جديد، ونفرض عليه منظورا تأويليا خاصًّا بنا، لا يكون مسؤولا عنه في الغالب. وهذا التأويل يأتينا من ثقافتنا وعصرنا أي من نصوص أخرى سابقة أو محايثة. ولذلك فإن كل فهم ما هو التقاء بين خطابين لا أكثر، ومن العبث أن يكف المُحلل الأدبي عن أن يكون ذاته ليُصبح الآخر، وحتى إن هو تمكن من ذلك فإن النتيجة ستكون عقيمة الفائدة.

إن التأويل من حيث هو ترجمة وفهمٌ شرط لبقاء النص السابق، ولكنه كذلك شرط لبقاء النص اللاحق. ومن ثم لا يكون التأويل صحيحا أو خاطئا، لكنه يكون غنيا أو فقيرا، خصبًا أو عميقًا، فاتنا أَوْلاَ. (5) والغنى والخصب والفتنةُ يتحلى بها النص كلما امتصَّ بإحكامٍ وبصيرةٍ جوهر ما تقدمه من نصوص، وتمثله تمثلا أمثل و أسنى. وبخاصة النص القرآني الذي له ميزات وخصائص معجزة.

2-           ميزات النص القرآني وخصائصه:

1.2 مراتب الكلام:

فالكلام؛ كما هو معلوم؛ ثلاث مراتب، هي: الشعر، والنثر، القرآن. وقد عرفت العربية الشعر والنثر بكل أنماطهما المختلفة قبل نزول القرآن، وحين نزل وجده أهلها مُباينا لما عرفوه من فنون القول. فإذا تميز الشعر بقوافيه وإيقاعاته وانزياحاته وأخيولاته، وتميز النثر بسجعاته وأمثولاته، وندياحاته وترسلاته...جاء القرآن بفرادة نظمه وفواصله (= التي أطلق عليها السلف من صالحي الأمة تسمية رؤوس الآي، تأدبا من تسميتها بأعجاز الآيات)، فقهر بلاغة الشعر والنثر، وحدَّ من هيمنتهما. وتلفتَ العرب فإذا ألسنتهم أمام ما يُتلى من بيان الوحي مُجَمْجِمَة، وإذا عقولهم أمام سلطانه واجمة.

فلئن اختص الشعر بالقافية، واختص النثر بالسجع، فإنه من المنطقي أن يختص القرآن بالفاصلة؛ حرصا على عدم اختلاط هذه المراتب، وتمييزًا لكلام الله سبحانه بما ورد فيه مما أعجز لغات البشر عن محاكاته، لا العرب وحدهم. ففواصله تتميز من سجع الكهان وغيرهم بروعة مواقعها، ودقةِ أحكامها، وكمالِ انسجامها حين يفرضها المعنَى فرضا لا معدل عنه، ولا خيارَ معه. فقد تباعدت المسافة بينها وبين السجع، وتعين أن تنفرد عنه بما يميزها عند تصنيف الظواهر الأسلوبية، فهي فواصل القرآن أو رؤوس الآي تتجلى فيها موسيقى النص القرآني بطريقة مخالفة لمفهوم الإيقاع الموسيقي الذي يعني تقسيم الحدث الموسيقي إلى أزمنة متساوية أو متناسبة، وإلى نغمات يضبط الإيقاع الانتقال من إحداها إلى أخرى في درجة السلم الموسيقي. (6)

وانطلاقا من هذه الخاصية وغيرها من خصائص القرآن التي درسها علماء هذه الأمة كابرا عن كابر نقول: إن القرآن لا يخضع للتصنيفات المعهودة لأجناس النصوص الأدبية، فهو نص له جنسٌ خاص به، يَجُبُّ كل الأجناس الأدبية الأخرى، وبناء على ذلك يُمكن النظر إليه كبيئة نصية مثالية لاختيار علاقة فك الشفرات بجنس النص، وكيفية امتزاج أجناس النصوص...للصعود إلى الذرى الرمزية لنصنا الشريف، وإلى خواص حروفه في ترتيلها مجودة، منفصلة أو متصلة، إذ يضاف إليها قدر من المد والغنِّ. وهما عنصران من عناصر الموسيقى يثريان القراءة القرآنية وحدها بطاقة تنغيمية شجية، لا تكون في غير القرآن من فنون القول الشعري والنثري. ولأجل هذا حاول أصلاء المبدعين النسج على نول بلاغته، والسير في سمت نظمه، ولاقتباس من أنوار مشكاته، استشرافا للجودة الفنية التي لا تتأتى إلا بالرؤية الدينية، وليس بغيرها.

2.2 الجودة الفنية والرؤية الدينية للكون:

ورحم الله أبا العلاء المعري؛ الذي ذكر في رسالة الغفران أن الجودة الفنية في الشعر لا تكفي وإنما لا بد أن يكون معها مضمون منسجم مع الرؤية الدينية العامة للحياة والوجود والكون والمصير. فهو أفق للتفكير، لا يتأتى إبعاده، ولا يمكن الاستغناء عنه. ومرآة للوجدان ينصقل بانصقالها، ويتغيم بانغيامها، إن حرث المين أجدب و أكدى، وإن ورد الصدق ارتوى وروى. (7)

3-                           ميزات النص الشعري وخصائصه

3. 1.  غموض يستحث العقل على توليد معرفة جديدة:

إن الشعر -حسب كانت- هو أقدر الوسائل على اجتذاب العقل، وهو أفضل الفنون في الجمع بين العقل والتعبير والعاطفة. يمثل ظاهرة لغوية فريدة، فكلما قل لفظه زادت قدرته على التعبير.. يتغيا الإفلات من قيود اللغة، ومن قيود المنطق للسمو بالخيال والمجاز إلى ما يعجز غيره عن الوصول إليه.

ولذلك اختلفت النظرة إليه، فبعضهم يراه امتدادا للفلسفة أو بديلا عنها، والشعراء يرونه فوق الفلسفة؛ التي عليها أن تتعالى على ذاتها بالشعر، باعتباره ضوضاء العلم، أي ذلك الغموض الذي يستحث العقل على توليد معرفة جديدة على امتداد جبهات ثلاث: جبهة المجاز اللغوي، وجبهة شفرة الرموز، وجبهة الخيال الشعري. (8)

2.3. أخلص صورة لتجسد الأدب:

فالشعر؛ إذن وكما نعلم؛ يعتبر أخلص صورة لتجسد الأدب.. ينقذنا من هشاشة التاريخ ومن اعتباطيته، لأن زاوية النظر التي تتخذها تدفعنا إلى اختيار بعض الوقائع البارزة وإزاحة غيرها. وهذه الهشاشة تتزايد كلما اقتربنا من الحاضر، لأن "حكم الزمن" لا يقدم لنا عونا. أما بالنسبة للمستقبل فمن البديهي أن الأمر لا يتعلق أبدا بالتاريخ، ولكن بالتخييل، وبالنبوءة وبالحدس، وهذا هو ما يفعله الشعر، (9) عن طريق جدلية الإحلال والإزاحة التي يستشرف بها ما هو أرقى، وما هو أنسب للذات والزمان والمكان والوجود.

3.3. جدلية الإحلال و الإزاحة:

فكل نص شعري هو بالضرورة التاريخية ظهور جديد في عالم مليء بالنصوص الشعرية والنثرية، يتبادل معها الإحلال والإزاحة في جدليات فاعلة لنسج عباءة المستقبل. ولذلك لا يتم فهم أبعاده وتشابكاته وترميزاته إلا من خلال إدخاله في شبكة من النصوص أعم وأعقد، لأنها هي التي تكون جوهره، وتشي بحدوسه، وتفتح آفاقه غير المحدودة، وتدلل على ثرائه وغناه.

4.3. نحو علم نص شعري جديد:

ومن هنا لا نستغرب سعي المنظومات النقدية الحديثة المهتمة بالشعر إلى تأسيس علم نص شعري جديد، ينظر إلى النص الشعري من داخله وخارجه معا، ويبرهن على ذاتيته بمضمونيته، وعلى علاقات تناصه بانسجامه والتحامه.

وعلم النص الشعري الحديث هذا تدخُل فيه فروع معرفية عديدة ومختلفة؛ منها: اللسانيات، السيميولوجيا، المنطق الحديث، سوسيولوجيا المعرفة، سيكولوجية المعرفة، الذكاء الاصطناعي، هندسة المعرفة، فكرة الجماليات. وذلك كله من أجل الإحاطة بالنص واستجلاء عوالمه، والوقوف على ينابيعه ومصادره الخفية، والإصغاء إلى حواره مع نصوص أخرى ارتبط معها بعلاقات ثقافية أو روحية أو تاريخية أو جمالية.

4-           التناص وإشكالياته:

1.4. مصطلح متذبذب:

لم تثر كلمة في قاموس النقد الحديث من الجدل النقدي والنقاش الفكري ما أثارته كلمة التناص Intertextualité ،وبخاصة في صفوف الحداثيين العرب. فهي مصطلح يسوده التذبذب في الترجمة والغموض في الأداء. فتارة تترجم بالتناص وتارة بالبينصية، وثالثة بالنصية. وهذا ما يؤدي إلى التباس وغموض، وإلى ضرورة القيام بوقفة يقظة لتجلية مفهوم المصطلح وتمييز الحدود بينه وبين ما قد يلتبس به. فالتناص هو غير النصية المرتبطة بالبنيوية وما تعنيه عند تحليل النص الأدبي؛ الذي هو منتج مغلق، ونسق نهائي يمكن تحليله وتفسيره في ضوء علاقات وحداته داخل نسقه الأصغر بعضها ببعض. (10)

2.4. الأسس التي يرتكز عليها التناص:

إن التناص –كما عرضه كبار منظريه على اختلاف مشاربهم ومنطلقاتهم وتياراتهم- يرتكز على أسس جوهرية هي:

1-                 النص ليس واضح المعالم والحدود ولا بداية له ولا نهاية ولا مضمون ولا وحدة كلية، ولا عنوان ولا مؤلف، ولا قيمة مرجعية عكس النظرة القديمة لمفهوم النص.

2-                 النص هو مستقر لنصوص أخرى من خلال عملية استيعاب بالغة الذكاء. فهو يعني أكثر مما يقول، وينسف كل المعاني الممكنة عن طريق المعارضة.

3-                 النص محاولة لنسف التقاليد، لأنها في تحجرها تحجب التأسيس الأول  للكينونة، وتخفي أصل الأشياء.

4-                 النص أفق يبتلع العالم كله، ويتحول إلى مكتبة عالمية.

5-                 لا يوجد نص مغلق مكتف بذاته، فالنص الحداثي يجتاح حدوده، ويتسع إلى درجة تمكنه من إزاحة نصوص ووضع يده على أخرى، ينفتح أمام تأثيراتها في استخدام اللغة والمجاز والموضوعات والأصداء حتى تصبح مدلولا مراوغا لعلامات هي ذاته.

6-                 النص دالٌّ تجتاح حدوده نصوصا أخرى لفتح فجوه بين الدال والمدلول أمام تعدد أو لا نهائية الدلالة.

7-                 النص له ديمومة الحياة والمؤلف له ديمومة الموت.

8-                 كل نص هو تناص، كما يعبر رولان بارث. إذ لا معنى في نظره من التناص.

9-                 التناص يحدث داخل وعي القاريء، ودون وعي ذلك المتلقي. فالتناص؛ شأنه شـأن النص نفسه؛ لا وجود له.

10-         النص يحمل في شفراته بقايا و آثار وشذرات من الكتاب الأكبر The Book الذي يضم كل ما كتب بالفعل، فهو –حسب بارث- جزء من كل ما تمت كتابته.

11-         النص يحمل رمادا ثقافيا من نصوص سابقة. وهذا ما تشهد بصحته الظواهر النصية.

12-         التناص يرتبط بوعي القاريء وبأفق انتظاره. وهذا ما يعني لا نهائية التفسير وخطأ الدلالة المستمرة دون توقف، واستحالة معرفة الحقيقة.

إن المهتمين من الحداثيين بالتناص ينظرون إلى النص على أنه شيء غير مستقل، وغير موحد، بل هو مجموعة من العلاقات مع نصوص أخرى، نسق لغته، ونحوه، ومفرداته، وبلاغته، تجر كلها معها شظايا وأجزاء متنوعة من التاريخ، حتى إن النص ليشبه مركز توزيع ثقافي. ولذا فإنه من الصعب الركون إلى العيش ثقافيا -تحت مظلة التناص- مع الفوضى الكاملة التي تربط التفسير بأفق انتظار كل قاريء على حدة، ما دام القراء يشكلون درجات متباينة، وأشكالا مختلفة ومتحولة وغير منضبطة حتى داخل نظرية التلقي التي حدد معالمها إزير Iser ويوس. (11)

3.4. مقولة تساوي الخطابات

فالخطابات عند التناصيين والبنويين تتساوى كلها على اختلاف أشكالها وأنواعها ومصادرها. فهي –كما يقول المثل الفرنسي- كالقطط تبدو في الليل البهيم رمادية، (12) ومن ثمة ينبغي النظر إليها على أنها إبداع لغوي نسيجه المجاز، لا تنفك خيوطه عند التحليل إلا بمحددات تقوم على أساس نظري (علمي) مستقل.

وقد جاءت البنيوية لتعضض الإطار الفلسفي والمنهجي لهذا التحليل باللسانيات كنموذج إجرائي، حيث نجد رولان بارثRoland Barthes ينظر إلى النص على "أنه متشكل من (الماسلف) أي ما سلف قراءته وكتابته ومشاهدته، أي النص المجتمعي والثقافي" (13) وهذا المفهوم لـ (الماسلف) عند بارث هو المسمى بالتناص، ولا شك أنه مفهوم شامل ومتسع يستغرق وجود النص وذاته وكينونته، ويحفر في طياته عن البنينة المكونة لحركته الدائبة، وتفاعله المستمر مع النصوص و الأنساق الثقافية الأخرى.

والبحث عن حركة النص أو بَنْيَنَتِهِ أو دلاليته يعود إلى أعمال الشكلانيين الروس، وجماعة براغ اللسانية، رومان جاكبسون، وليفي شتراوس، وفلاديمير بروب، وغريماس، وجيرار جينيت، وجوليا كريستيفا، وتودوروف، ولاكان، وألتسير، مع ما بينهم من انقسامات بنيوية تتمثل في موقفهم من مفهوم (العلم)... غير أن الخيط السري الرابط بينهم هو تأثر تحليلاتهم للنص بمنطوياته الإيديولوجية، والإيديولوجيا هي قناع الأقنعة، قد يكون شفافا، ولكنه غير بريء إطلاقا.

وعليه؛ فإن مقولة تساوي النصوص تخفي في العمق بعدًا إيديولوجيا ناسفا لكل ما هو مقدس، ومُنزلا إياه منزلةَ البشري. فهي بهذا النهج تَرى إلى القرآن كنص بشري متساو مع نصوص أخرى، يجري عليه ما يجري عليها، وليس كنصٍّ إلهي فوق بشري وفوق كل النصوص. كما أنها حين تُصِرُّ على موت المؤلف ولو إجرائيا تقول ضمنا بالإلحاد وبموت العقيدة، وهذا هو النبض الإيديولوجي الأخطر والأخفى فيها. ولذلك لابد من اليقظة والحذر حين التعامل مع مثل هذه النماذج التي نبتت في تربة غير تربة الثقافة العربية الإسلامية، فسمُّها أكثر من عسلها، وباطنها أَعْتَمُ من إشراق ظاهرها.

4.4. مراوغات لتقويض اليقينيات:

إن التناص يرصد التنويع داخل نص ما، وهذا التنويع قد يقع على نواة أو موضوعة أو أصل نص، بحيث يعتري المُنَوَّع تبديلٌ أو تغيير. فإذا كان على أصل مستقل سمي تناصا خارجيا، وإذا كان تنويعا داخليا سمي تناصا داخليا. وكلا التناصين له طرفان، وبينهما درجات. فالتناص الخارجي طرفاه: التطابق والتباين، والتناص الداخلي طرفاه التطابق والتناقض.

ويُرصد التناص الخارجي في إطار بنية أصلية ذات مكونات مضمونية وخاصيات شكلية تتخذ أصلا يُقاس عليه لإبراز التماثل والاختلاف بين البنية الأصلية والبنية الفرعية. (14)

فالتناص قد يكون له مفهوم ما بعد حداثي، يمنحه خواص اعتراضية ونقضية للثقافة والتاريخ، وللسياسة والسلوك، تعكس اتفاقا وتعضيدا لاتجاهات أخرى، تُقوض بمكر ومراوغة اليقينيات الكبرى، تحت مظلة مفاهيم أخرى مستشفة كالتفاعل والمطابقة، والتداخل، والتباين، والتحاذي، والتجاوز، والتغاير. كل هذه الأنواع من التعالقات هي التي تُدعى بالتناص، وهي التي تعمل على إعطاء النص الشعري مفارقة جوهرية تَنْآى به عن (اللوغوس). (15)

5.4. فضاءات الخطاب الشعري التي يشتغل عليها التناص:

للخطاب الشعري المعاصر فضاءات متعددة ومتداخلة، تتخفى في طياتها نصوص غائبة. فهناك الفضاء الدلالي الذي تتحرك فيه المدلولات، وهناك الفضاء المكاني الذي يتحرك فيه النص الشعري بما يحتوي عليه من تشكيل وخطوط وحروف وعلامات ترقيم وبياضات وفراغات، ثم هنالك الفضاء الزمني الذي يتحرك فيه زمن القصيدة أو الحدث. و إلى جانب هذه الفضاءات ثمة الفضاء الجغرافي الذي يمتد بين إشارات المكان والزمان، والفضاء الثقافي، والفضاء الاجتماعي، والفضاء النفسي، والفضاء السياسي، والفضاء القرائي.

ولهذا نظر إليه التحليل على أنه خطاب ناقص وغير مكتمل، وغير نهائي، وبالتالي فهو خاضع للتأويل، ومحتاج إلى قاريء ألمعي فطن يسد ثغراته وفجواته، ويُكمل ما نقص منه. وهذاهو ما يدعو إليه إمبرتوإيكو في كتابه "النص المفتوح"، حيث يرى أن النص الشعري صامت مراوغ، لانهائي وغير تامٍّ، لا يستسلم بسهولة للقاريء والقراءة، وإنما يقاومهما بأشكال شتى تبتديء بالانغلاق، وتنتهي بالمراوغة، وبالتواري خلف النيات والملابسات التي تكتنف حياة مؤلفه.

6.4. موت المؤلف إبطانٌ لموت الخالق:

ولذلك أطلق رولان بارث مقولة "موت المؤلف" ليِل محله "حياة القاريء"، الذي لا يملك حرية القراءة مع جثوم المؤلف فوق نصه. (16) وهي مقولة مرتبطة عامة بالفلسفة الغربية النابذة للماورائيات، وبفكر بارث خاصة، وبفكرة ما بعد البنيوية. الهدف منها إبعاد القاريء عن المنظومات المنهجية الخارجية أثناء تأويل النص الأدبي، والردُّ على النزعة الرومانسية التي كانت تعلي من سلطة المؤلف، والتاكيدُ على أنه ليس هناك نص أصلي ونصٌّ آخر تابع، فالنص الأصلي –كما تتصور- ليس أصليا، وإنما هو تابع لنصوص سابقة عليه (=التناص)، ولذلك كان موت المؤلف. و أمام هذا التصور لا يسعنا إلا أن نجهر برفضه، لأنه يريدنا أن ندخل في جبته مُتجردين عن هويتنا وقيمنا الروحية، وعن ثقافتنا التي أسسها نصٌّ أصلي لا مثيل له هو القرآن الكريم الذي هو كلام الحي القيوم. (17)

فإذا كانت البنيوية قد قامت على ركيزتين أساسيتين؛ هما:

1-                 وجود علاقة عضوية بين الرمز اللغوي ومعناه

2-                 ومبدأ الفصل بين الموضوع وبين وجهة النظر الذاتية للشخص القائم بعملية التحليل.

فإن ما بعد البنيوية قد اختلف عن هذين التوجهين، فالرمز اللغوي عندها أصبح لا يحيل على معنى بعينه، وإنما على رمز آخر، وهكذا نظل في حلقة مفرغة يستحيل معها الوصول إلى معنى نهائي، إذ المعنى دائما مرجأ. وبسبب هذا الإرجاء أطلقت ما بعد البنيوية حرية قراءة النصوص فكان هناك عدد لانهائي من القراءات المحتملة لكل نص، وفقا لخلفية القاريء وهدفه من وراء قراءة النص. (18) و لأجل التشويش والتناقضات والاستحالات التي يُخلفها تعددُ القراءات غير المُلجمة سواء أكانت بنيوية أو ما بعد بنيوية قام طودوروفTodorov  بإعادة النظر في حركة "النقد الجديد" وفي الموروث الشكلاني، ناقدا ومشككا ومُقوما، وواضعا ما أسماه بـ "النقد الحواري" بديلا. (19) والحوارُ هو درجة عليا من الوعي الإبداعي، يكون فيها النص المحاورُ مُلِمًّا بفضاءات النص الذي يتحاور معه، عالمًا بأسراره وخفاياه، وبوجوه إيحاءاته ومضمراته، مُدركا لعوالم نسجه وبلاغته،و مناحي توهجه وكثافته، بصيرا بمواطن الاستسقاء منه. وقد دأب نقدنا العربي القديم على هذا المسلك مع كل النصوص التي تحاور معها. بل إن جانبه البلاغي قد ارتقى في تعامله مع النص القرآني إلى منزلة عز نظيرها في النقد الحديث. وهذا ما سنجليه في النقطة الموالية المتعلقة بتأثيل الاقتباس ومجالاته.

5-           تأثيل الاقتباس ومجالاته:

أ‌-                الاقتباس في المفهوم البلاغي العربي:

أ. 1- الاقتباس لغة:

هو طلب القبَس، وهو الشعلة من النار، ثم استعير لطلب العلم، فقيل: اقتبست منه علما.

أ. 2- الاقتباس مصطلحا:

أما في الاصطلاح فيُقصد به أن يضم المتكلم إلى كلامه كلمة أو آية من آيات الكتاب العزيز خاصة، دون أن يقول فيه (قال الله) ونحوه، فما كان منه في الخطب والمواعظ ومدح الرسول ص و آله وصحبه، ولو في النظم، فهو مقبول، وما كان في الغزل والرسائل والقصص فهو مباح. ونعوذ بالله ممن ينقل ما نُسب إلى الله تعالى إلى نفسه، أو يقيس الآي ويضعها معرض الهزل.

أ. 3- أقسام الاقتباس:

والاقتباس من القرآن الكريم على ثلاثة أقسام:

- مقبول:كالذي يَرِدُ في الخطب والمواعظ والعهود، ومدح الرسول ص وعِترته وصَحبه ونحو ذلك.

- مباح:كالذي يكون في الغزل والرسائل والحكم والقصص والأمثال.

- مردود:وهو على ضربين:

 

1. ما نسبه الله تعالى إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه، كما قيل عن أحد بني مروان إنه وقع على كتاب فيه شكاية من عُمَّاله ( إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم).

2 .تضمين آية كريمة في معنى هزلٍ، أو ما شابه ذلك من معانٍ استنقاصية تتوخى السخف والهجاء، والتنكيت والتبكيت، والاستحلال والاستلذاذ، والفحش والمجانة، كقول قائل:

أَوْحَى إِلَى عُشَّاقِهِ طَرْفُهُ

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونْ

وَ رِدْفُهُ يَنْطِقُ مِنْ خَلْفِهِ

لِمِثْل هَذَا فَلْيَعْمَلِ اُلْعَامِلُونْ

وكقول إليا أبي ماضي:

هَاتِ اُسْقِنِي اُلْخَمْرَ جَهْرًا

وَ لاَ تُبَالِ بِمَا يَــــــكُونْ

إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ كَانَ شَرًّا

إِنَّـا إِلَى اُللَّهِ رَاجِعُونْ (20)

 

و كقول ابن النبيه في مدح الفاضل:

قُمْتُ لَيْلَ اُلصُّدُودِ إِلاَّ قَلِيـــــلاَ

ثُمَّ رَتَّلْتُ ذِكْرَكُمْ تَـــــــــرْتِيلاَ

وَوَصَلْتُ اُلـسُّهَادَ أَقْبَحَ وَصــْلٍ

وَ هَجَرْتُ اُلرُّقَادَ هَجْرًا جَمِيلاَ

مُقْمَعِي كَلَّ عَنْ سَمَاعِ عَــذُولٍ

حِينَ أَلْقَى عَلَيْهِ قَوْلاً ثَقِــــــيلاَ

وَ فُؤَادِي قَدْ كَانَ بَيْنَ ضُلُوعِي

أَخَذَتْهُ اُلْأَحْبَابُ أَخْذًا وبِيـــــلاَ

قُلْ لِرَاقِي اُلْجُفُونِ إِنَّ لِعَيْنــــِي

فِي بِحَارِ اُلدُّمُوعِ سَبْحًا طَوِيلاَ

مَاسَ عُجْبا كَأَنَّهُ مَا رَأَى غُصْــــــــــ 

ـنًا طَلِيحًا وَ لاَ كَثِيبًا مَـهِيـــــــلاَ

وَ حَمَى عَنْ مُحِبِّــــهِ كَأْسَ ثَغْرٍ

كَانَ مِنْهُ مِزَاجُهَا زَنْجَبِـــــــــيلاَ

بَانَ عَنِّي فَصِحْتُ فِي أَثَرِ اُلْعِيـ

ـــسِ اُرْحَمُونِي وَ أَمْهِلُوهُمْ قَلِيلاَ

أَنَا عَبْدٌ لِلْفَاضِلِ اُبْنِ عَـــــــلِيٍّ

قَدْ تَبَتَّلْتُ بِاُلثَّنَايَا تَــبْتِــــــــــــيلاَ

لاَ تَسُمْهُ وَعُدْ بِغَيْرِ نَــــــوَالٍ                إِنَّــهُ كَانَ وَعْدُهُ مَـفْعـُــــــــــولاَ                

ويدخل في هذا الإطار صنيع الشاعر أحمد مطر، فهو استخف بالقدر حين قال: "...لَحَمْتُ فأسا دونه القدرُ"، ووظف القرآن في مجال السخرية والقدْح لما قال: "هزي إليك بجذع مؤتمر، يساقط المؤتمر"، في حين أن الآية الكريمة التي اقتبس منها، وهي قوله تعالى "وهزي إليك بجذع النخلة تُسَاقط رُطبا جنيا"، (21) تُعاكس ما ذهب إليه، فهي تتضمن بشارة وطمأنينة لمريم عليها السلام من جهة السلامة من آلام المخاض والولادة، وحصول المأكل والمشرب الهني، وقرة عينها بعيسى عليه السلام.

أ. 4- أنواع الاقتباس:

والاقتباس بجميع أقسامه لا يخرج عن نوعين:

1-                  نوع يحتفظ فيه المُقْتَبِسُ بالمعنى الأصلي ولا يخرج به إلى غيره، كقول الحريري: " فلم يكن إلا كلمح البصر أو أقرب، حتى أنشد فأغرب" فإن الحريري كنَّى هنا عن شدة القرب، وكذلك هو في الآية الشريفة.

2-                   ونوع لا يحتفظ فيه المقتبس بالمعنى الأصلي بل يخرج به عنه، كقول ابن الرومي:

 

لَئِنْ أَخْطَأْتُ فِي مَحِيــــــــــــــــ

كَ مَا أَخْطَأْتَ فِي مَنْعِي

لَقَدْ أَنْزَلْتُ حــــــــــــــــــَاجَاتِي

بــــِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ

 

فابن الرومي هنا خرج بالمعنى الأصلي إلى معنى آخر غير مقصود في الآية هو الرجل الذي لا يُرجى نفعه، أما المراد في الآية الكريمة فهو أرض مكة شرفها الله.

ويجوز للمقتبس أن يغير لفظ المقتبَس منه بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال الظاهر من المضمر، أو غير ذلك، لضرورات فنية وبلاغية، دون حُوب أو تأثمٍ. ومن هنا يُتَبَيَّن قطع النظر في الاقتباس عن كونه نَفْسُ المُقتبَسِ منه، إذ لولا هذا للزم المقتبسين الكفرُ في لفظ القرآن إن لمسوه بنقصٍ أو زيادة أو إبدال أو تقديم أو تأخير.

وقد تم الإجماع على أن الاقتباس لا يكون إلا من القرآن الكريم، ومن الحديث النبي الشريف كقول الصاحب بن عباد:

قـَــــــــــــــــــالَ لِــــي: إِنَّ رَقِيبِي

سَيِّءُ اُلْخُلْقِ فَدَارِهْ

قُلْتُ: دَعْنِي وَجْهُكَ اُلْـجَنَّـــــــــــــــ

ـةُ حُفَّتْ بِاُلْمَكَارِهْ

فالصاحب قد اقتبس الحديث النبوي " حفت الجنة بالمكاره" ولكنه قدم فيه و أخر.
(22)

أ. 5- مجالات الاقتباس:

لقد جعل بعض البلاغيين الاقتباس مقصورا على القرآن والحديث، أما الأخذ مما عداهما من فنون القول كالشعر والحكم والأمثال وغير ذلك فهو ليس من باب الاقتباس وإنما هو من باب العَقد والتضمين. غير أن بعضا آخر منهم وسَّع المجال، فذكر أن الاقتباس يكون في مسائل الفقه، وفي غيره من العلوم.

فالاقتباس من مسائل الفقه كقول القائل:

أَقُولُ لِشَادِنٍ فِي اُلْحُسْنِ أَضْحَى

يَصِيدُ بِلَحْظِهِ قَلْبَ اُلْـكَـــــمِيِّ

مَلَكْتَ اُلْحُسْنَ أَجْمَعَ فِي نِصَابٍ

فَأَدِّ زَكَاةَ مَنْظَرِكَ اُلْـبَــــــــهِيِّ

فَقَالَ: أَبُو حـــــــــَنِيفَةَ لِي إِمَامٌ

يَرَى أَنْ لاَ زَكَاةَ عَلَى اَلصَّبِيِّ

فَإِنْ تَكُ مَالِكِيَّ اُلرَّأْيِ، أَوْ مِنْ

يَرَى رَأَيَ اُلْإِمَـــــامِ اُلشَّافِعِيِّ

فَلاَ تَكُ طَالِبًا مِــــــنِّي زَكَاةً

فَإِخْرَاجُ اُلزَّكَاةِ عـــَلَى اُلْوَلِيِِّ

و الاقتباس من علم الأصول كقول قائل:

لاَ تَعْجَبُوا مِنْ عُمُومِ اُلْحُبِّ فِي رَشَإٍ

كُلُّ اُلْجَمَالِ لَهُ فِي اُلنَّاسِ مَخْصُوصُ

بَدْرٌ وَ لَكِنْ إِلَى اُلْغِزْلاَنِ مُنْتَسِبٌ

قَدْ نَـــــصَّ ذَلِكَ جِيدٌ مِنْهُ مَنْصُوصُ

ومن علم أصول الدين كقول القائل:

عَرَضُ اُلصَّبْرِ دُونَ جَوْهَرِ ذَاكَ اُلثَّغْـ

ــرِ مِنْ أَكْبَرِ اُلْمُحَالِ فَــــــجُودِي

أَجْمَعَ اُلنَّاظِرُونَ فِي ذَاكَ أَنْ لاَ

عَرَضٌ دُونَ جَوْهَرٍ فِي اُلْوُجُودِ

ومن علم المنطق قول بعضهم:

مُقَدِّمَاتُ اُلرَّقِيبِ كَيْفَ غَدَتْ

عِنْدَ لِقَاءِ اُلْحَبِيبِ مُتَّصِلَهْ

تَمْنَعُنَا اُلْجَمْعَ وَ اُلْخُلُوَّ مَـعًا

وَ إِنَّمَا ذَاكَ حُكْمُ مُنْفَصِلَهْ (23)

ب‌-          الاقتباس في المفهوم البلاغي الغربي:

ب. 1 الإعداد والتحوير:

في البلاغة الغربية يتعدد معنى الاقتباس، ولكنه في النهاية لا يخرج عن الناحيتين التاليتين:

الأولى: تعني الإعداد، والتهيئة، والاقتباس Adaptation وإعادة سبك عمل فني لكي يتفق مع وسيط فني آخر. وذلك كتحويل المسرحية إلى شريط سينمائي أو القصة إلى مسرحية، وهو ما يقصد أحيانا بكلمة الاقتباس.

الثانية: تعني إعادة العمل الفني بشيء من الحذف والتحوير والتغيير. (24)

ب. 2. الاقتطاف:

ومن ثمة معنى آخر للاقتباس في البلاغة الغربية، وهو الذي يهم مجالنا هذا، ونعني به الاقتطاف Citation الذي هو إدخال المؤلف كلاما منسوبا للغير في نصه، ويكون ذلك إما للتحلية أو للاستدلال، على أنه تجب الإشارة إلى مصدر الاقتباس بهامش المتن و إبرازه بوضعه بين علامات تنصيص أو بأية وسيلة أخرى. على أن الذوق الأدبي العام يُفضل ألاَّ يزيد النص المقتبَس على عشرة سطور تقريبا. (25)

6-       رفع التعارض بين اللسان والطوية:

6. 1. الخلاص من فخ التناص بفكرة الاقتباس:

وفي مجال التأثر بالنص القرآني الكريم يمكننا أن نتحدث عن فكرة الاقتباس أو الاقتطاف  Citation كما استعملها قدماء نقادنا، وكما دعا إليها ديريدا. فهو يرى أن التناص؛ في الواقع؛ يتمثل في استخدام النص الحالي لكل كلمة سبق استخدامها في نص آخر أو سابق، حيث يمكن أن نتحدث عن وحدات دلالية أكبر من الكلمة، كالجملة النثرية أو بيت الشعر، دون أن نسقط في فخ التناص الذي يعتمد استراتيجية موت المؤلف وتساوي النصوص، واستحالة الفصل بين النص والتاريخ الثقافي الذي يمثل حضورا مستمرا داخل النص وبين النص، وأفق انتظارات القاريء. وهي قضايا تصطدم بالدين وتشوش على الحس الديني والإنساني.

6. 2.  شرك التبعية الضاج بالمفارقات:

وقبل أن نتحدث عن الحس الديني و الإنساني إنْ في الأدب عامة أو في الشعر خاصة يجدر بنا أن نتساءل: أين هي الإنسانية في حاضر يسعى أهله إلى "أنسنة" الروبوت (= الإنسان الآلي)، وإلى "رَوْبَنَةِ" الإنسان بتفكيك مهاراته وتحويلها إلى مهارات أصغر فأصغر، جاعلين منه ترسا في آلة ضخمة ؟ !

لقد حق للإنسان بعد كل هذا أن يرتد ليجتر عقله الأول، عقل أسطورته، عساه يجد في لا عقلانيتها ما يعينه على فهم لغز حداثته وما بعد حداثته. فإنسان هذا العصر قد صنع عالما يغص بالاحتمالات والتوقعات والمفارقات واللايقين، إلى الدرجة  التي أصبح معها يخشى النجاح، قدر ما يخشى الفشل (26). فنحن في عصر سريع الإيقاع، سريع التحولات، فما أن يظهر مذهب فكري أو أدبي أو فني أو نظام اجتماعي، حتى يلحق به ما يقوضه أو ما ينسخه أو ينسفه. فبنيوية الستينيات أطاحت بها "ما بعد بنيوية" سبعينيات القرن الماضي، ولذلك فنحن غرقى في بحار من المعرفة وطوفان من المعلومات إلى حد التخمة والموت، ولكننا جوعى إلى كسرة من الحكمة، وعطشى إلى قطرة من الطمأنينة الروحية. وصار بعضنا ينهج طرائق معشبة بالأوهام للوصول إلى سِرِّ الخطاب، وبعضنا الآخر يَسلك سُبُلَ المعرفة والإنكار الموغلة في الإيحاء.

6. 3. الإيحاء استحضار لخطاب غائب:

وما هو هذا الإيحاء؟

إنه إيماءٌ إلى خطاب غائب، ودعوة مجردة إلى استحضاره للتنقيب عن خباياه والكشف عن كلماته وحروفه غير الظاهرة. فلعبة الإخفاء والإظهار في الإيحاء بنص ما هي لعبة صمت ناطق موميء بوجود كلام خفي لا يكاد يُسمع، تدعو القاريء إلى الكشف عمَّا لم يكتب أو عما كُتب بين السطور.

فهل نحن بحاجة إلى قراءة من هذا الضرب..قراءة حذرة، مرتابة، يقظة، قد تنفي المعنى وتوجبه على حد قول المعري:

وَ يَعْتَرِي اُلنَّفْسَ إِنْكَارٌ وَ مَعْرِفَةٌ

وَ كُلُّ مَعْنًى لَهُ نَفْيٌ وَ إِيجَابُ (27)

ألا يمكن أن يُعتبر انتهاج هذا النهج اضطهاداً للكتابة الفنية وللشعر خاصة حتى ولو نضح الماء بماء الإفصاح؟ ! إن الإفصاح لا يعني بتاتا الوضوح والشفوفية، فهذا مستبعدٌ تماما في الشعر الذي هو انزياح لغوي بامتياز، مبني على الغموض والإبهام وعلى المجاز الذي لغير التخييل لا ينحاز.

إن القراءة قد تكون شرحا أو تفسيرا أو تأويلا، ولكنها في المحصلة لا بد أن تكون إنتاجا جديدا للمعنى، و إسهاما في إنتاج معنى آخر متولد من فك شفرة النص الساكنة بين مقام الاتصال Communication ومقام السياق Contexte.

4.6. التكلم بالمجاز هو سمة الشاعرية:

ومن ثمة فإن سمة الشاعرية لا تتجلى في النص إلا حينما يُهيمن عليه المجاز، ويتحدث لغته الخاصة النائية عن لغة التداول القولي والكتابي. وذلك لأن القول الشعري لا ينطبق عليه ما ينطبق على القول النثري؛ إذ للشاعر حق في القول لا يتمتع به الناثر، فهو –وفقا لقول الجرجاني- "لا يهاب أن يخرق الإجماع". ولكن دون أن يكون القول تسفيها أوتنقيصا أو غمزا للثوابت المتعالية والمقدسات السماوية. (28)

فنحن لسنا من أشياع الأطروحة التي تقول: إن الإبداع ليس تعبيرا بالضرورة عن اعتقاد المبدع، لأن المسافة الموجودة بين المقول وبين المعتمل في الطوية هي مسافة تلق وتواصلٍ من حق القاريء أن يتعرف عليها ويسير فيها، و لأن اللسان دليل على الجَنان يترجم عنه بإرادة واطمئنان. وعليه فإن رفع التعارض بين الطوية واللسان ضروري، و إلا فإن المواصلة بين المبدع وقرائه لن تكون، وسيبقى التخبط متحكما في التواصل، إذ في كل قراءة يلزم البحث عن معنى باطن ينسخ المعنى الظاهر، وتأويل بعيد يحجب التأويل القريب...وهكذا ستختلط المعايير، وسيلحق الارتياب؛ ليس النصوص التي تنضح باعتقاد سليم، بحيث ستصير مشبوهة، وسيعِنُّ لبعض الترشيحيين والتفكيكيين والسميولوجيين أن يقوموا بإخضاعها للتحويل والاختبار للكشف عن باطنها الذي قد يتعارض –في رأيهم- مع ظاهرها، ويكشف بالتالي عن اعتقاد صاحبها المخالف للظاهر خطابه.

فالخطاب"لغز يتعذر فكه، وهوة يستحيل سبر أغوارها" (29)، ولذلك ينبغي الاحتراز منه، سواء أأنبأنا عن اعتقاد سليم أم عن اعتقاد منحرف. فالنصوص الإبداعية حَمَّالاَتُ إشكالات واستشكالات، فكما يحمل نص انحرافا عقديا ظاهرا قد يُسانده الباطن أو يخالفه، يحمل نص آخر اعتقادا صحيحا ظاهرا قد يُعاضده الباطن أو يُفنده. ف" في الناس من يتظاهر بالمذهب ولا يعتقده، يتوصل به إلى الدنيا الفانية وهي أغدر من الورهاء الزانية" (30)، و "يُظهر بالقول تدينا، وإنما يجعل ذلك تزينا، يريد أن يصل به إلى ثناء، أو غرض من أغراض الخالبة أم الفناء. ولعله قد ذهبت جماعة هم في الظاهر متعبدون، وفيما بطن مُلحدون." (31)

والذي يعنينا من كل هذا هو التأكيد على ضرورة انطلاق المبدع المسلم من التصور الإسلامي للحياة والوجود وجمالية الكون، ويقينية الحقائق الماورائية، إذ من غير هذا لن يكون هناك اتجاه أدبي إسلامي مُعافى تطمئن إليه الروح وتستجيب له الحياة ويستجيب لها. فما هي ملامح هذا الاتجاه؟ وما مفهومه؟

إن مفهوم الاتجاه الإسلامي في الأدب؛ بجميع أجناسه القولية؛ نعني به انطلاق الأديب المسلم من تصور إسلامي فينظرته إلى الكون والإنسان والحياة، وفي نظرته إلى القضايا والأحداث والأشخاص والمشكلات،وفي تعبيره عن العواطف والمشاعر والمُثل التي تكرس قيمة الإنسان من حيث كونه حاملا للأمانة السماوية دون غيره من الكائنات.

وبذور هذا الاتجاه كثيرا ما نجدها، أو نجد لمحات منه، في أدب بعض الكتاب ممن ليسوا من أصحاب الفكر الإسلامي، بل من دعاة إيديولوجيات معارضة أو مباينة له. أو ممن ليسوا على عقيدة الإسلام. وتلك البذور واللمحات إنما ظهرت في كتاباتهم نتيجة الثقافة أو المشاعر، لا نتيجة النظرة الشاملة المنبثقة من التصور الإسلامي الكامل. (32)

5.6. نقدٌ رضي بالتبعية التي لم ترضَ به:

وتأسيسا على ما تقدم نرى أنه لا مندوحة لنقدنا الأدبي من أن يبلغ سنَّ الرشد والاستقلال الذاتي، ويتخلص من ترسُّم خطوات غير هويته. فهو قد طالما هاجم التبعية الفكرية والإبداعية...ولكنه وقع هو نفسه – مع استثناءات قليلة- في شرك التبعية، وأصبح يلوك نظريات غيره دون تطويع لخصوصيات الإبداع العربي، ودون تطبيق على الإبداع المحلي، فرضي بالتبعية التي لم ترض هي به. ومن ثمة أصبحت المفارقات سمة الإبداع والنقد على حد سواء، فبعد انحسار المد البنيوي في موطنه الأصلي فرنسا تبنَّاه نقدنا، ودفع به إلى الصعود في ممارسات انبهارية محمومة لا تخلو من طفولة معرفية، (33) وخلقت له لغة واصفة Métalangue  تقول نفسها بتعال أكثر مما تقول النص الذي تمارس عليه التحليل النصي Analyse textuelle.

 

الهوامش

  1. عبد الفتاح كيليطو: الحكاية والتأويل. ط2، دار تبقال للنشر، الدار البيضاء 1999م، ص: 7

2. تزفيتان تودوروف: الشعرية. ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، ط2 ، دار تبقال، الدار البيضاء 1990م، ص:6

 3.كيليطو، مرجع سابق، ص ص: 7-8

4. تودوروف، مرجع سابق، ص: 79.

5. نفسه، ص: 18.

6. عبد الصبور شاهين: حديث عن القرآن. ط 1، سلسلة (كتاب اليوم)، القاهرة، ديسمبر 2000، ص ص: 128،125

7. عبد الفتاح كيليطو: أبو العلاء المعري أو متاهات القول. ط1، دار تبقال، الدار البيضاء 2000م، ص: 24.

8. د. نبيل علي: الثقافة العربية وعصر المعلومات. سلسلة (عالم المعرفة)، العدد 265، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يناير 2001م، ص ص: 519،518

9. تودوروف، مرجع مذكور، ص: 16.

10. د. عبد العزيز حمودة: المرايا المُحمدية: من البنيوية إلى التفكيك. سلسلة (عالم المعرفة)، العدد 232، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ذو الحجة 1418هـ/ أبريل 1998م، ص ص: 367،366 و ما بعدهما.

11. المرجع السابق، ص: 369.

12. كيليطو، أبو العلاء أو متاهات القول، ص: 57.

13. رولان بارث: التحليل النصي.ترجمة وتقديم: عبد الكبير الشرقاوي، سلسلة (ضفاف)، العدد 2، منشورات الزمن، ط 1، الرباط، يناير 2001م، ص: 14.

14. د. محمد مفتاح: مشكاة المفاهيم. ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 2000م، ص: 173.

15. المرجع السابق، ص ص: 214،213 وما يليهما.

16. رولان بارث: نقد وحقيقة.ترجمة: د.منذر عياشي، ط 1، دار الأرض، الرياض 1413هـ، ص ص: 20،13.

17. د.خليل الموسى: قراءة الخطاب الشعري المعاصر. مجلة (عالم الفكر)، العدد3، المجلد 29، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يناير/مارس 2001م،ص ص: 211،210.

18. د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، ص: 176.

19. تودوروف، الشعرية، ص:6

20. جلال المخ: ثورة القصائد على العقائد. كتاب المعارف، دار المعارف، سوسة، تونس 1994م، ص: 76.

21. سورة مريم، الآية 25.

22. د.بدوي طبانة: معجم البلاغة العربية. ط4، دار المسيرة للنشر والتوزيع بجدة ودار ابن حزم ببيروت 1418هـ / 1997م. ص ص: 532،531

23. أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ت: 1094هـ/1683م): الكليات. ط 1، قابلة على نسخة خطية و أعده للطبع ووضع فهارسه: د.عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، ببيروت1412هـ/ 1992م، ص ص: 157،156،155.

24. مجدي وهبة: معجم مصطلحات الأدب، مكتبة لبنان، بيروت 1974م، ص: 6، المادة 21.

25. نفسه، ص: 460، المادة 1463.

26. د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، ص: 13.

27. أبو العلاء المعري: لزوم ما لا يلزم. دار الكتب العلمية بيروت 1983م، 1/70.

28. عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة. ط6، تحقيق محمد رشيد رضا، القاهرة 1959م، ص: 277.

29. كيليطو، أبو العلاء المعري أو متاهات القول، ص:57.

30. أبو العلاءالمعري: رسالة الغفران ط 6، تحقيق: د.بنت الشاطيء (عائشة عبدالرحمان)، دار المعارف، القاهرة 1977م، ص: 461.

31. نفسه: ص ص: 420،419.

32. مأمون فريز جرار: الاتجاه الإسلامي في الشعر الفلسطيني الحديث.ط1، دار البشير، عمان 1404هـ / 1984م، ص: 9.

33. د. نبيل علي: مرجع مشار إليه، ص ص: 35،34.

 

 



Add a Comment