أواب

الشاعر د.أحمد بلحاج آية وارهام لَوْ أَتَاكَ لِسَانُ اُلْكُشُوفِ لَأَنْكَرْتَ مَا قَدْ عَلِمْتَ فلَا تَسْأَلِ اُلْكَوْنَ عَـنِّي وسَائِلْـهُ عَنْ نَفْسِهِ

الخطاب المقدماتي في الدواوين الشعرية: ملاحظات أولية لمقاربة نظرية

- أولا : مقدمة للنثر.. ومقدمة للشعر:

              ينبغي أن نفرق بين المقدمات التي تكتب لعمل نثري، إبداعيا كان أو غير إبداعي .فهذه لها تحديداتها ومواصفاتها ومجالاتها وأنماطها الخاصة، وبين المقدمات التي تكتب لعمل شعري، فهي بقصديتها هاته تتباين وتختلف عن سابقتها تحديدا وتصورا واستيراتيجية.

- ثانيا :  مقاربة للمقدمة الشعرية:

    يثير الخطاب المقدماتي عدة إشكاليات تتعلق بالماهية والتحديد والتمييز والتجنيس، وسوف لن ندخل في كل هذا ما دام أفق البحث فيه منفتحا ولانهائيا. وإنما سنقتصر على النقاط التالية قصد مقاربته والإمساك ببعض جذوره الخفية وذلك حسب التدرج الذي يبدأ من التعريف وينتهي بتصور عن صنافته.

 .1الخطاب المقدماتي يتحدد جوهريا بكونه خطابا واصفا متميزا يقوم بوظيفة البعد التداولي للعمل الأدبي من جهة، ووظيفة التأثير على المتلقي من جهة ثانية. فهو إذن خطاب محفوف بالالتباس ومستفز للمتلقي الفعلي والضمني والمفترض، بحيث يثير فيه أسئلة تتناول الشكل والحد والموقع والزمان والمرسل والمستقبل، وإشكالية أنماطه ووظائفه وغاياته ومكوناته الجمالية والتخيلية. ولأجل هذا كان تشكله مختزلا بسؤالين جوهريين هما: ما هو عمل الخطاب المقدماتي وما الكيفية التي يشتغل بها ؟.

  .2وإذا انطلقنا من هذين السؤالين فإننا لا محالة سندرك أن أولهما يتضمن إيحاءات تأويلية وهيرمينوطيقية، وثانيهما يتضمن البحث عن الوصف كجادة للسير، والنمذجة كأفق للتحديث. ومهما تشجرت الإجابات عن هذين السؤالين فإن النص الموازي للخطاب المقدماتي بكل تنويعاته وتلاوينه يبقى هو المنطقة التي لا تستطيع العتبات أن تقرأ كل تضاريسها السرية.

وإجمالا فإن الخطاب المقدماتي يمكن اعتباره موقعا تداوليا ينعقد فيه اللقاء بين الكاتب والقارىء، ويتم فيه البحث عن بعض الخصائص والتحليلات التي يحملها هذا الخطاب الذي يهدف إلى بناء ميثاق القراءة وتأطير القارىء.   

 فهل فعلا تتم هذه القصدية فيه أم لا؟ إننا نرى في الخطاب المقدماتي سمة الغياب والحضور أحيانا، فهو قد يوجد متصاحبا مع خطابات أخرى كالتمهيد؛ والتصدير؛ والافتتاح؛ والمدخل؛ والإهداء وما إلى ذلك.

وقد يغيب أحيانا أخرى تاركا الفسحة  لغيره من الخطابات الأخرى. وهذا الحضور والغياب يحضان معا على التساؤل أو يدفعان إلى طرحه بكيفية ضرورية وملحة. وعلى أية حال فإن الخطاب المقدماتي في بعده الأساسي ،هو خطاب استباقي قد يتواءم مع نسق النص الموازي له ويستدل عليه وقد لا يتواءم.

3. إن حدة السؤال عن الخطاب المقدماتي تستصحب بالضرورة أسئلة العتبات والضفاف والبنية والدليل والكتابة والنص. لماذا؟ لأن كل بحث في الخطاب المقدماتي وآلياته يستصحب البحث في الخطاب الشعري والشعرية وآلياته، ومن ثمة صار الخطاب المقدماتي قرين خطاب البيان Le Manifeste إلى حد كبير جدا. فجاك ديبواDUBIOS  يعتبر الخطاب المقدماتي نصا موازيا paratexe ، ولذلك يسحبه من فضاء الضفاف والهوامش والعتبات إلى بؤرة الفعالية النقدية ذات الأثر والقوة (1)  أما هنري ميتران في : La préface" ses lois " فيرى أن المقدمة تحمل جميع مواصفات الخطاب Le discours  الذي هو كل نمط من الحديث يتوجه فيه شخص بالكلام إلى شخص آخر، وينظم ما يقوله ضمن مقولة ذلك الشخص. (2)

ومن هنا كان الخطاب المقدماتي عند ميتران مالكا جميع خصوصيات الخطاب التثقيفي والتربوي التي هي:

 

   أ.  الإخبار بماهية الأدب وبكيفية خاصة عن النوع الأدبي الذي كتب له الخطاب المقدماتي، ثم إضاءة موقعه وتسييج نظامه البلاغي.

 ب.  تنظيم عرض البراهين والحجج لإبراز مكامن الشعرية في العمل الشعري الذي يتناوله الخطاب المقدماتي.

 ج.  من سمات الخطاب المقدماتي تغييب السؤال، واقتراح أجوبة لمشاكل يعتقد أو يتوهم أنها وجدت طريقها إلى الحل في العمل الذي يتحدث عنه.

 د.  تحابك فن الإقناع في الخطاب المقدماتي، واستعمال العناصر الْـمُصيغَةِ والإنجازية لتشكيل استيراتيجية تعليمية.

 ه. انطلاقه من عقيدة مسبقة وسعيه إلى الإقتناع بها.

 و.  تحوله غالبا إلى خطاب سجالي.

 ز. امتلاكه سمة ثلاثية هي :التعليمية والسجالية والتربوية، وبذلك يتلاقى مع البيان Le Manefiste ، وتهيمن عليه صفة الإختزال والمساعدة حسب جاك ديريدا  Jaques Derrida . الذي ينعته ب "خطاب مساعدة"، و"رغبة في القول"، و "استباق خطابي"، و "تمهيد للكتاب". (3)

     3.  إن الخطاب المقدماتي يتميز بكونه مشروطا ب "الأنا" التي تُقدمُ و "الأنا" التي تتلقى. فالأنا في العمل الأدبي وفي الشعر خاصة تحكي العالم أو تعيد بناءه، ونعني بذلك عالم العمل الشعري الذي ولجته.

ولهذا ينبغي أن نعتبر الأمرين غير متساويين. فالخطاب المقدماتي مهما كانت رصانته وجديته يبقى على مشارف النص لأن وظيفته هي الاضطلاع بأعباء الوساطة وتجسير الفجوة بين العمل والقاريء.

وطالما أنه موصوم بالوقوف عند المداخل والمشارف والأبواب فإنه سيبقى حارسا غير أمين بحكم ممارسته التحوير والتعديل والتأويل والمحايلة على النص الذي يقدمه.

 4. يحتاج توصيف خطاب المقدمات ونمذجته و بناء صنافة له وتشييد نظرية تحدده وتمنحه فضاء مميزا إلى بحث معمق، ليس هذا مجاله العام، ولأجل ذلك سنقتصر على تحديده لأنه خطاب يشمل كل أنماط النصوص التمهيدية التي تشكل خطابا متمحورا حول النص اللاحق، كما يشمل كل أنماط التصور الإختتامية التي تشكل خطابا حول النص السابق. و يعدد جيرار جينيت  Genette ستة أنماط من الخطاب المقدماتي أغلبها يتعلق بالنثر. غير أننا في مجال الشعر سنشير إلى الخطابات المقدماتية التالية :

- لمقدمة التي يكتبها الشاعر لديوانه

- المقدمة التي يكتبها شاعر لديوان شاعر

- المقدمة التي يكتبها ناقد لديوان شاعر

-  المقدمة التي يكتبها شخص من خارج مجالات الإبداع الشعري و النقدي.

- المقدمة التي يكتبها شخص غفل أي التي لم تمهر بأي اسم.

- المقدمة التي يكتبها ناشر لديوان شعري

وفي داخل هذا التصنيف، هناك تصنيف آخر يمكن أن ينشطر إلى ثلاثة أشطار :

1- مقدمات تقريظية تحاول إبداء المحاسن والتغاضي عن العيوب .

2- مقدمات تدخل في مجال تحليل العمل الشعري، وإضاءته مستلهمة مختلف المفاهيم النقدية قديمها وحديثها.

3- مقدمات بعيدة عن العمل الشعري تسبح في أفق عام لا علاقة له بالعمل الذي تقدمه

5. حين أكتب مقدمة لديوان شعري لا أستحضر أي شيء غير الشعر الأنقى، إذ أنني لست من الذين يكتبون المقدمات وفق تصورات إيديولوجية أو عرقية أو قبلية أو إقليمية أو غير ذلك، فالشعر عندي هو الأول في نقائه واتزانه وارتباطه بالتصور الإسلامي للحياة، أما ما عدا ذلك فهو من قبيل اللغو الذي تمجه  نفسي  و تستقذره روحي ولذلك تجدني لا أكتب المقدمات إلا نادرا، لأن الشعراء الذين يقدمون مخطوطا تهم لي كثيرا ما يرفضون صرامتي البعيدة بُعدَ الضَـب من الدأماء والنون من البيداء عن المجاملة والتقريظ و تشجيع الغثاء و الرداءة. فأنت تعلم أن كثيرا مما يروج الآن باسم الشعر هو محض زور وافتراء على فن العربية الأول و الأرقى. وليس معنى هذا أنني أعيب الذين يكتبون المقدمات  لأصدقائهم وأقربائهم و أهل جهتهم، فذلك كله محمود ما دام العمل المقدم له يستحق اسم الشعر.

                                                                  

الهوامش

 

(1)  Dubois. J. l' assommoir de Zola : Société, discours Idéologie, Larousse 1973,  p.106.107

 

  (2)Mitterrand. Henri dans son lire «  la préface et ses lois : avant  propos romantiques » , in le discours du roman, Puf. 1980 P .21-34 » 

(3) عبد الجليل الأزدي "مقدمات نظرية عن الخطاب المقدماتي" مجلة  "فضاءات   مستقبلية" العدد 4، ماي 1997م الدار البيضاء، ص 14. 

 

 

 

 



Add a Comment

amalina من المغرب
18 يوليو, 2009 12:48 م
انتشلتني من بحر التساؤل عن الخطاب المقدماتي ـ خاصة الشعري ـ
فشكرا لك
مع فائق الاحترام والتقدير